Sunday, October 5, 2008

على قمم الجبال

قد قال صلى الله عليه وسلم : ( إن الله إذا أراد بعبد خيراً استعمله .. قيل : كيف يستعمله يا رسول الله ؟ قال : يوفقه للعمل الصالح ثم يقبضه عليه ..) ..
فمن أحبه الله .. أستعمله في طاعته .. وجعله لا يعيش لنفسه فقط .. بل يعيش لدينه .. داعياً إليه .. آمراً بالمعروف .. ناهياً عن المنكر .. مهتماً بأمر المسلمين .. ناصحاً للمؤمنين .. ففي الشيشان أخته .. وفي أفغان أمه .. وفي الصين ابنته .. وفي كشمير أحبابه .. يألم لألمهم .. ويفرح لفرحهم .. لا تراه إلا واعظاً لخلانه .. ناصحاً لإخوانه .. مؤثراً في زمانه ومكانه ..
إذا رأى المنكرات .. امتلأ قلبه حسرات .. وفاضت عينه دمعات ..
يود لو أن جسده قُرّض بالمقاريض وأن الناس لم يعصوا الله تعالى ..
يستميت في سبيل نصح الخلق .. وهدايتهم إلى الحق .. تأمل في أحوال الأنبياء .. وأخبار الأولياء ..
انظر إلى إبراهيم وهود .. وسليمان وداود .. وتأمل في حال شعيب وموسى .. وأيوب وعيسى ..
كيف كانوا يخدمون الدين .. ويحققون اليقين ..
واستمع إلى نوح عليه السلام .. يشكو حاله فيقول :
( رب إني دعوت قومي ليلا ونهارا * فلم يزدهم دعائي إلا فرارا * وإني كلما دعوتهم لتغفر لهم جعلوا أصابعهم في آذانهم واستغشوا ثيابهم وأصروا واستكبروا استكبارا ) ..
فهل استسلم لما أعرضوا ؟ كلا :
( ثم إني دعوتهم جهارا * ثم إني أعلنت لهم وأسررت لهم إسرارا * فقلت استغفروا ربكم إنه كان غفارا * يرسل السماء عليكم مدرارا * ويمددكم بأموال وبنين ويجعل لكم جنات ويجعل لكم أنهارا * ما لكم لا ترجون لله وقارا ) ..
ماذا بقي من حياة نبي الله نوح؟
الليل والنهار .. العلن والإسرار ..
كل ذلك سخر للدعوة إلى الله ..
وقضى في ذلك ألف سنة إلا خمسين عاماً .. تموت أجيال وتحيا أجيال .. وهو ثابت ثبات الجبال ..

* * * * * * * * * *

ووالله ما أقلت الغبراء .. ولا أظلت الخضراء .. أكرم خلقاً .. ولا أزكى نفساً .. ولا أحرص على هداية الناس من محمد صلى الله عليه وسلم
نعم ..
كان حريصاً على هداية الناس .. مسلمهم وكافرهم .. حرهم وعبدهم .. كبيرهم وصغيرهم ..
بذل نفسه وروحه ووقته .. حتى قال له ربه : { فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشَاء وَيَهْدِي مَن يَشَاء فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ } ..
لقد دعا إلى الله في كل مكان .. وحال وزمان ..
في المسجد .. والسوق .. وفي الطريق .. بل وحتى على شفير القبر .. كان يستغل جميع المواقف ليعظ الناس ويذكرهم بربهم ..
لا يرى عاصياً إلا نصحه .. ولا مقصراً إلا وجّهه ..

ولم تكن نظرته في هداية الناس قاصرة .. بل كان عالي الهمة في ذلك .. يفكر في هداية الناس وهم في أصلاب آبائهم ..
في الصحيحين ..
أن عائشة رضي الله عنها تأملت يوماً .. في مصاب النبي عليه السلام يوم أحد .. يوم قتل بين يديه أصحابه .. وفر خلانه وأحبابه ..
وتمكن الكفار من الأبرار .. وارتفعت راية الفجار .. وعظم المصاب .. واشتد الكرب .. وأصيب النبي عليه السلام ..
قالت عائشة : يا رسول الله .. هل أتى عليك يوم كان أشد من يوم أحد ؟
فقال صلى الله عليه وسلم وهو يستعيد ذكريات بلائه .. : لقد لقيت من قومك ما لقيت .. وكان أشد ما لقيت منهم يوم العقبة .. إذ عرضت نفسي على بن عبد يا ليل .. فلم يجبني إلى ما أردت ..
فانطلقت وأنا مهموم على وجهي فلم أستفق إلا وأنا بقرن الثعالب ( وهو ميقات أهل نجد قرب الطائف ) ..
فرفعت رأسي فإذا أنا بسحابة قد أظلتني .. فنظرت فإذا فيها جبريل فناداني .. فقال :
إن الله قد سمع قول قومك لك وما ردوا عليك وقد بعث الله إليك ملك الجبال لتأمره بما شئت فيهم .. فناداني ملك الجبال فسلم علي .. ثم قال :
يا محمد فقال : ذلك فيما شئت إن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين .. وهما جبلان عظيمان حول مكة ..
فقلت : لا .. بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده لا يشرك به شيئاً ..

* * * * * * * * * *

وكان عليه السلام ينتهز جميع الفرص للوعظ والتذكير .. فهو بعد الصلاة يدعو الناس .. ويحببهم إلى ربهم ..
وفي السوق يرغبهم فيما عند خالقهم ..
وفي الطريق يذكرهم بمعبودهم ..
انظر إليه .. يردف وراءه يوماً عبد الله بن عباس .. فيلتفت إليه في وسط الطريق .. وينتهز الفرصة أن تفوت .. فيقول :
يا غلام .. إني أعلمك كلمات .. احفظ الله يحفظك .. احفظ الله تجده تجاهك .. إذا سألت فاسأل الله .. وإذا استعنت فاستعن بالله ..
وفي يوم آخر .. يردف معاذ بن جبل .. وراءه .. فيلتفت إليه وسط الطريق .. ويقول : يا معاذ أتدري ما حق الله على العباد وما حق العباد على الله .. حق الله على العباد أن يعبدوه لا يشركوا به شيئاً .. وحق العباد على الله أن لا يعذب من لا يشرك به شيئاً ..
بل حتى عند القبر .. كان عليه السلام .. يستغل اجتماع الناس لهدايتهم ..
روى الإمام أحمد عن البراء بن عازب قال :
بينما نحن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ بصر بجماعة .. فقال :
علام اجتمع عليه هؤلاء ؟
قيل : على قبر يحفرونه ..
ففزع رسول الله صلى الله عليه وسلم .. فبدر بين يدي أصحابه مسرعاً .. حتى انتهى إلى القبر .. فجثا عليه .. قال البراء : فاستقبلته من بين يديه لأنظر ما يصنع .. فبكى حتى بل الثرى من دموعه .. ثم أقبل علينا .. فقال :
أي إخواني لمثل اليوم فاعدوا ..

* * * * * * * * * *

بل .. لم يكن اهتمام النبي عليه السلام .. مقتصراً على كبار الأنام .. بل اعتنى بالصغار والكبار .. والعبيد والأحرار ..
عند البخاري أنه صلى الله عليه وسلم .. يسمع بغلام يهودي مريض .. فيقول لأنس هلم بنا نزوره ..
فيخرج إليه يزوره .. فلما دخل صلى الله عليه وسلم عليه .. فإذا الغلام طريح الفراش .. وأبوه قاعد عند رأسه ..
فقال له النبي عليه السلام : يا فلان .. قل : لا إله إلا الله ..
فنظر الغلام إلى أبيه .. فسكت أبوه ..
فأعاد عليه النبي عليه السلام .. فنظر الغلام إلى أبيه .. فقال أبوه : أطع أبا القاسم ..
فقال الغلام : أشهد أن لا إله إلا الله .. وأنك رسول الله ..
فتهلل وجه النبي عليه السلام .. ثم قام فخرج وهو يقول : الحمد لله الذي أخرجه بي من النار ..
لنتأمل قليلاً .. غلام خادم .. لا مال له ولا عشيرة ..
بل هو في سياق الموت .. ومع ذلك يفرح النبي عليه السلام بإسلامه .. لأنه نجى من النار ..

* * * * * * * * * *

بل انظر إليه عليه السلام .. لما خرج طريداً شريداً من مكة .. وقريش تجعل الجوائز لمن قتله ..
فيخرج متخفياً عن الكافرين .. ويختبأ في غار مليء بالعقارب والثعابين .. خوفاً من بطش المشركين ..
وما يكاد يخرج منه .. ويمضي إلى المدينة .. عليه وعثاء السفر .. وكربة الضر ..
حتى لقيه في الطريق بريدة بن الحصيب .. أعرابي في الصحراء .. فلما رآه النبي عليه السلام .. نسي تعبه ونصبه .. وأقبل عليه يدعوه إلى الإسلام .. ونبذ عبادة الصنام ..
ويستميت في سبيل ذلك .. فيسلم بريدة .. ويرجع إلى قومه فيدعوهم .. فيسلم منهم ثلاثون ..
فيأتي بهم في الظلام .. إلى النبي عليه السلام .. فيصلون معه العشاء .. كما عند ابن سعد في الطبقات ..
ما منعه خوفه ولا رعبه .. ولا جوعه ولا نصبه من هداية الناس إلى ربهم ..

* * * * * * * * * *

بل كان صلى الله عليه وسلم يتنازل عن حقوق نفسه .. وحاجات جسده في سبيل هداية الناس ..
في الصحيحين عن جابر رضي الله عنه قال :
أنهم غزو مع النبي عليه السلام .. غزاة قبل نجد .. فنزلوا أثناء الطريق ..
ونزل النبي عليه السلام تحت شجرة .. فعلق سيفه بغصن من أغصانها .. وفرش رداءه ونام تحتها ..
وتفرق الصحابة تحت الشجر .. يستظلون بظلها ..
فبنما هم كذلك .. إذ أقبل رجل إلى النبي عليه السلام .. يمشي رويداً رويداً .. حتى وقف على النبي عليه السلام ..
وهو نائم .. فتناول السيف .. ثم استله من غمده .. ورفعه فوق رأس النبي عليه السلام .. ثم صاح بأعلى صوته وقال :
يا محمد !! من يمنعك مني ؟ ففتح النبي عليه السلام عينيه .. فإذا الرجل تلتمع عيناه شرراً .. والسيف في يده يلمع منه الموت ..
والرجل يصيح .. من يمنعك مني .. من يمنعك مني ..
فقال صلى الله عليه وسلم : الله ..
فانتفض الرجل .. وسقط السيف من يده .. وسقط الرجل على الأرض ..
فقام عليه السلام وأخذ السيف .. ثم رفعه وقال : من يمنعك مني ؟!!
فقال الرجل : لا أحد .. ( ماذا يقول !! اللات والعزى ) .. قال : لا أحد .. كن خير آخذ ..
فقال صلى الله عليه وسلم : تسلم .. قال : لا .. ولكن لك علي أن لا أقاتلك أبداً .. ولا أكون مع قوم يقاتلونك ..
فعفا عنه النبي عليه السلام .. ولم يعرض له بأذى ..
وكان الرجل ملك قومه .. فمضى إلى قومه .. وهو يقول : جئتكم من عند أحسن الناس .. وعاد بهم مسلمين ..

* * * * * * * * * *

بل كان صلى الله عليه وسلم يربي أصحابه على سلوك هذا السبيل ..
فكان يصيح بهم قائلاً .. ( بلغوا عني ولو آية .. بلغوا عني ولو آية ) .. فما عذر أحداً في ترك الدعوة إلى الله ..
وفي الحديث الذي رواه مسلم .. قال صلى الله عليه وسلم لعلي ( فوالله .. لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من حمر النعم ) ..
وحث كل أحد على نشر العلم والنصيحة .. فقال عليه السلام فيما رواه الترمذي : ( إن الله .. وملائكته .. وأهل السماوات .. والأرضين .. حتى النملة في جحرها .. وحتى الحوت .. ليصلون على معلم الناس الخير ) ..
وعلى هذا الطريق المنير سار أصحابه .. فكان نشر الدين .. هو القضية الوحيدة التي لأجلها يحيون .. وعليها يموتون ..
فأبو بكر أسلم على يده أكثرُ من ثلاثين صحابياً .. ستة منهم من العشرة المبشرين بالجنة ..
وكذلك عمر وعثمان .. وعلي وسلمان .. كم بذلوا وقدموا .. وجاهدوا وعملوا .. حتى انتشر الإسلام ..
واهتدى أكثر الأنام .. ونسيت عبادة الأصنام .. رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه ..
لله درهم .. كانوا أئمة عامة ..
يتصدون لإرشاد الناس .. وحمايتهم من المنكرات ..
نعم .. { وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ * وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ * وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ } ..

* * * * * * * * * *

نعم .. كان الصحابة رضي الله عنهم يضاعفون الجهود .. ليوحد الرب المعبود ..
لكن الكفار - أيضاً – كانوا في عصرهم يبذلون .. كما هم في عصرنا يبذلون .. ليصدوا عن سبيل الله ..
ينفقون الأموال .. ويقدمون الرجال .. ويستنفرون الأبطال .. لِـيُكفَر بالكبير المتعال ..
انظر إلى قبائل العرب قبل تمكن الإسلام .. وقد جاءت وفودها للحج في مكة ..
فصح في مسند أحمد .. أنه عليه السلام .. كان يقبل على القبيلة منهم .. فيقول لهم : يا غطفان .. هل لكم في عز الدهر .. قولوا : لا إله إلا الله تفلحوا .. هذه رسالة ربي .. فمن يؤويني لأبلغ رسالة ربي ..
فما يكاد ينتهي من كلامه .. حتى يقبل عليهم أبو جهل مسرعاً .. فيصيح بهم : لا تصدقوه .. هذا ساحر .. هذا كاهن .. هذا مجنون .. أنا عمه وأدرى الناس به ..
فيتركهم النبي عليه السلام .. ويمضي حزيناً مهموماً .. حتى يختفي عن أبي جهل .. ثم يقف عند آخرين فيقول .. يا بني سلمة .. قولوا لا إله إلا الله تفلحوا .. فإذا بأبي جهل يقبل عليهم .. ويقول لهم هذا مجنون ..
انظر كيف يبذل أبو جهل ليصد عن سبيل الله ..
بل انظر كم بذل أبو سفيان قبل إسلامه .. وكيف قاد الجيوش لقتل المسلمين في أحد والخندق ..
وكم بذل أبو لهب .. وأمية بن خلف ..
كانوا يبذلون كل شيء للصد عن سبيل الله ..

* * * * * * * * * *

بل لما اشتد عذاب الكفار .. على الصحابة الأبرار .. أمرهم النبي عليه السلام بالخروج من الجزيرة العربية كلها .. والهجرة إلى الحبشة ..
فخرج المؤمنون الموحدون .. تركوا أموالهم وأشجارهم وثمارهم .. تعبث بها قريش كما تشاء .. وركبوا عباب البحر .. واستقروا في الحبشة .. في أرض الغرباء البعداء .. في أرض لم يعرفوها .. وبلاد لم يألفوها .. ولغة لم يفهموها ..
استقروا هناك ..
فهل تركهم الكفار ؟!! كلا .. ما هان على الكافرين .. أن يوحَّد رب العالمين ..
جمعت قريش أموالها .. وانتدبت عقلاءها .. ليذهبوا إلى ملك الحبشة .. فيغروا بالهدايا والأموال .. لـيُرجع المؤمنين إلى مكة حيث العذاب والنكال ..
عجباً .. وماذا يضر قريش أن يعبد الله في أرض بعيدة .. إنه الصد عن سبيل الله ..

* * * * * * * * * *

وإن تعجب .. فاعجب .. من رجل يصد عن سبيل الله وهو على فراش الموت ..
إنه أبو طالب .. عم النبي عليه السلام .. كان مصدقاً في داخله بالإسلام ..
أليس هو الذي كان يقول :
والله لن يصلوا إليك بجمعهم حتى أوسد في التراب دفينا
ولقد علمت بأن دين محمد من خير أديان البرية دينا
لولا الملامة أو حذار مسبة لوجدتني سمحاً بذاك مبينا
لكنه يظل على دين قومه ..
حتى كبر سنه .. ورق عظمه .. واقتربت منيته ..
فمرض يوماً .. واشتدت عليه السكرات ..
فيسرع النبي عليه السلام إليه .. فإذا عمه على فراش الموت ..
قد علاه النزع والعرق .. واشتد به الخوف والفرق ..
وهو يودع الدنيا بأنفاس أخيرة .. وإذا عنده أبو جهل وكفار قريش ..
فيقبل النبي عليه السلام عليه .. وينطرح بين يديه .. ويقول وهو يدافع عبراته .. يا عم قل لا إله إلا الله ..
فينظر إليه أبو طالب .. ورسول الله صلى الله عليه وسلمأحب الناس إليه ..
فلما كاد أبو طال أن يقول لا إله إلا الله .. صاح به أبو جهل وقال : يا أبا طالب .. أترغب عن ملة عبد المطلب ..
عجباً .. وما دخلك أنت يا أبا جهل .. الرجل على فراش الموت يسلم أو لا يسلم .. وما يضرك أنت أو ينفعك ..
إنه الصد عن سبيل الله ..
ورسول الله عليه السلام .. يصيح بعمه .. ويتدارك أنفاسه .. ويكرر :
يا عم .. قل لا إله إلا الله .. كلمة أحاج لك بها عند الله ..
وأبو جهل يدافعه .. أترغب عن ملة عبد المطلب .. أترغب عن ملة عبد المطلب ..
حتى مات .. وهو على عبادة الأصنام .. والشرك بالملك العلام ..
وفي الصحيحين أنه صلى الله عليه وسلم سئل فقيل له : يا رسول الله إن عمك كان يحوطك وينصرك فهل أغنيت عنه شيئاً ؟
فقال : نعم .. وجدته في غمرات من النار .. فأخرجته إلى ضحضاح من نار .. تحت قدميه جمرتان من نار يغلي منهما دماغه ..
بل كان الكفار يتواصون بالثبات على الباطل .. قال تعالى عن كفار قريش :
( وانطلق الملأ منهم أن امشوا - أي استمروا على دينكم - واصبروا على آلهتكم إن هذا لشيء يراد ) ..
وفي الآية الأخرى يقول جل وعلا ..
( وإذا رأوك إن يتخذونك إلا هزوا أهذا الذي بعث الله رسولا * إن كاد ليضلنا عن آلهتنا لولا أن صبرنا عليها وسوف يعلمون حين يرون العذاب من أضل سبيلاً ) ..

* * * * * * * * * *

نعم كان الكفار يبذلون في عهد النبي عليه السلام .. للصد عن الإسلام ..
ولكن بذل المؤمنين كان أكثر .. وجهدَهم كان أكبر ..
يستميت أحدهم للإصلاح ويناضل .. حتى ظهر الحق وزهق الباطل ..
واليوم .. خذ جولة سريعة .. وقارن بين الفريقين ..
انظر - إن شئت - إلى عمل اليهود وتكاتفهم .. لإقامة دولة إسرائيل ..
وانظر إلى تفاني الهندوس والبوذيين في خدمة دينهم .. حتى استغرق ذلك أوقاتهم واستنفذ جهودهم .. فأشغلهم عن اللذات والشهوات ..
وانظر إلى نشاط المنصرين .. وحرصهم على دعوتهم .. وبذلهم أموالهم .. وأوقاتهم .. وجهودهم ..
وهم على باطل ..

يقول أحد الدعاة ..
كانت تقدم إليَّ الدعوات دائماً لزيارة اللاجئين المسلمين في أفريقيا .. فتوجهت إلى هناك بعد تردد طويل .. وقررت أن أمكث أسبوعين .. وفوجئت بخطورة الطريق .. والحر الشديد .. وكثرة الحشرات .. والبعوض الحامل للأمراض ..
فلما وصلت فرح بي هؤلاء الضعفاء .. وأسكنوني في أحسن الخيام .. وأحضروا لي أنظف الفرش .. فبقيت تلك الليلة معجباً بنفسي .. وتضحيتي .. ثم نمت في عناء شديد .. وأنا أحمل هم هذين الأسبوعين ..
وفي الصباح جاءني أحدهم وطلب مني أن أتجول في المخيم .. فطلبت منه تأجيل ذلك حتى تخف حرارة الشمس .. فأصرَّ عليَّ فخرجت معه .. وذهبنا إلى البئر الوحيد الذي يزدحم عليه الناس .. ولفت نظري من بين هؤلاء الأفارقة .. شابة شعرها أصفر .. لم يتجاوز عمرها الثلاثين .. فسألته بعجب : من هذه ؟
فقال : هذه منصرة نرويجية .. تقيم هنا منذ ستة أشهر .. تأكل من طعامنا .. وتشرب من شرابنا .. وتعلمت لغتنا .. وقد تنصر على يدها المئات ..
نعم .. { إِن تَكُونُواْ تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللّهِ مَا لاَ يَرْجُونَ وَكَانَ اللّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا } ..

ويقول آخر ..
كنت في ألمانيا .. فطُرق علي الباب .. وإذا صوت امرأة شابة ينادي من ورائه ..
فقلت لها : ما تريدين ..؟
قالت : افتح الباب .. قلت : أنا رجل مسلم .. وليس عندي أحد .. ولا يجوز أن تدخلي عليَّ ..
فأصرت عليَّ .. فأبيت أن أفتح الباب ..
فقالت : أنا من جماعة شهود يهوه الدينية .. افتح الباب .. وخذ هذه الكتب والنشرات .. قلت : لا أريد شيئاً ..
فأخذت تترجى .. فوليت الباب ظهري .. ومضيت إلى غرفتي ..
فما كان منها إلا أن وضعت فمها على ثقب في الباب ..
ثم أخذت تتكلم عن دينها .. وتشرح مبادئ عقيدتها لمدة عشر دقائق ..
فلما انتهت .. توجهت إلى الباب وسألتها : لم تتعبين نفسك هكذا ..
فقالت : أنا أشعر الآن بالراحة .. لأني بذلت ما أستطيع في سبيل خدمة ديني ..
{ إِن تَكُونُواْ تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمونَ } ..

* * * * * * * * * *

وجهود أعداء الدين .. من الكفرة والمنصرين .. أشهر من أن تذكر ..
وتأمل فيما يبذلونه لتنصير المسلمين .. من خلال قنوات فضائية .. وأشرطة سمعية ..
وكتب مقروءة .. ونشرات موبوءة ..
تأمل ذلك كله ثم قارنه بما يبذله المسلمون ..
أو قارنه إن شئت بهذين الموقفين ..

يقف أحد الشباب عند محطة وقود .. ويطلب من العامل أن يعبأ له ببضع ريالات ..
وخلال ذلك يسأل العامل : مسلم أنت ..
فيقول العامل : لا .. لست مسلماً ..
فيسأله صاحبنا : لماذا لا تسلم .. فيقول العامل : لا أعرف ما الإسلام ..
فيقول صاحبنا : أنا أحضر لك كتباً عن الإسلام ..
عندها صاح به العامل وقال : أنت كذاب ..
قال : كذاب !! لماذا ..
فقال العامل : أنا أعمل في هذا المحطة منذ خمس سنوات .. وكل واحد يمر بي يقول :
سأحضر لك كتباً عن الإسلام .. وإلى الآن لم يحضر إليَّ أحد شيئاً ..

وحدثني أحد العاملين في مركز لدعوة غير المسلمين في أحد المطارات ..
أنه كان يوزع مظاريف تحتوي على بعض الكتب الدينية على الخادمات المغادرات إلى إندونيسيا ..
قال : فمرت بي امرأة مع خادمتها .. تودعها إلى بلدها .. فناديتها .. قلت : يا أختي .. تفضلي هذه هدية للخادمة ..وأعطيتها مظروفاً مغلقاً ..
فقالت : ما هذا ؟ قلت : هو للخادمة ..
ففتحت المرأة المظروف .. فلما رأت الكتب قالت بغير مبالاة .. كتب إسلامية .. لا نريد كتباً إسلامية .. ثم رمت الكتب على الطاولة .. ومضت بخادمتها ..
سبحان الله .. بعض المسلمين .. لا دفع ولا نفع .. كما قال :
وأنت امرؤ منا خلقت لغيرنا * * حياتك لا نفع وموتك فاجع

تأمل في غفلة كثير منا عن دعوة من هم بين أظهرنا ..
يسكن الكافر بين أظهرنا سنين .. ثم يرجع وهو على حاله : يعبد بوذا .. ويقدس البقرة .. ويقول الله ثالث ثلاثة ..

* * * * * * * * * *

بل دعك من الكافرين ..
كم نرى من المسلمين المقصرين في صلاة الجماعة .. والمتساهلين بالغناء وسماعه ..
وكم نرى من العاقين .. والمرابين .. والمتلاعبين بأعراض المسلمين ..
بل كم نرى من السُّكارى .. والشباب والفتيات الحيارى ..
فماذا بذلنا لهم ..
وبصراحة ..
بعض الناس إذا تكلمنا عن الدعوة إلى الله .. ظن أن الدعوة مقصورة .. على من أعفى لحيته وقصّر ثوبه ..
ثم جعل حلقه للحيته .. وإسباله لثوبه .. أو تدخينه .. أو سماعه للغناء ..
حائلاً بينه وبين خدمة الدين .. أو نصح المقصرين ..
بل قد يقعد الشيطان العاصي عن الدعوة .. ويقول له ..
أنت تنصح الناس !!! ألا تذكر خطاياك ؟ أمثلك يعمل للدين ؟
فيفوت الشيطان بذلك على الإسلام .. جندياً من جنود الرحمن ..
نعم .. لا أنكر أن الأصل في الداعية أن يكون مستقيماً على الطاعات ..
ولكن وجود السيئات .. لا يمنع من فعل حسنات ..
ولو لم يعظ في الناس من هو مذنب *** فمن يعظ العاصين بعد محمد
بل قد يجالس الداعية بعض الناس .. ولا يعلم أنهم يأكلون الربا والحرام .. أو يقعون في الفواحش والآثام ..
أو يتركون الصلوات .. ويعاقرون المسكرات ..
فلا يلام الداعية إذا سكت عنهم .. لأنهم يتظاهرون أمامه بالخير ..
ولكن هم يلامون .. فيجب على بعضهم أن ينصح بعضاً ..
وأنت وإن كنت عاصياً .. فلم تنقلب يهودياً ولا نصرانياً ..
فالعاصي المؤمن معدود من المؤمنين .. وقد قال الله ..
{ وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَـئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللّهُ إِنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ * وَعَدَ اللّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ } ..
وكم من الناس اليوم ممن وقعوا في شهوات .. أو وقعت بينهم وبين بعض الصالحين خصومات ..
تسلط عليهم الشيطان .. فشعروا أنهم أعداء للدين وأهله ..
مع أن العبد قد يقع في المعصية .. لكنه يبقى من حزب الرحمن ..
وانظر إلى ذلك الرجل .. الذي أغواه الشيطان فشرب خمراً .. فعوقب .. ثم شرب فعوقب .. ثم شرب ..
فأتي به إلى النبي عليه السلام .. فلما عوقب .. قال بعض الصحابة :
لعنه الله .. ما أكثر ما يؤتى به !!
وقال : ( لا تلعنوه .. فوالله ما علمت إلا أنه يحب الله ورسوله )..
فهو وإن شرب خمراً لم ينقلب عدواً للدين ..
وتلك المرأة الزانية التائبة ..
أقاموا عليها الحد .. فلما ماتت سبها بعض الأصحاب ..
فقال عليه السلام : ( لقد تابت لو قسمت على سبعين من أهل المدينة لوسعتهم )..
ولما زنى ماعز رضي الله عنه فرجم .. قال النبي عليه السلام : ( لقد تاب توبة لو قسمت على أمة لوسعتهم .. والله إنه الآن في أنهار الجنة ينغمس فيها ) ..
وأنا بكلامي هذا لا أسوّغ الوقوع في المعاصي .. أو أعتذر لأصحابها .. ولكن .. ذكّر إن نفعت الذكرى ..
ولا ينبغي أن تحول المعصية بين صاحبها وبين خدمة هذا الدين ..

* * * * * * * * * *

أبو محجن الثقفي رجل من المسلمين كان قد ابتلي في الجاهلية بشرب الخمر ..
وقد تعلقت بها نفسه .. وهام بها قلبه .. حتى كان يوصي ولده ويقول :
إذا متّ فادفنّي إلى جنب كرمة *** تروي عظامي بعد موتي عروقها
ولا تدفنني في الفلاة فــإنني *** أخاف إذا ما متّ أن لا أذوقها
وتروى بخمر الحص لحدي فإنني أسيرٌ لها من بعد ما قد أسوقها
فلما أسلم .. بقيت نفسه تغلبه عليها .. فيعاقب عليها ويعود .. ثم يعاقب ويعود ..
فلما تداعى المسلمون للخروج لقتال الفرس في معركة القادسية .. خرج معهم أبو محجن .. وحمل زاده ومتاعه ..
فلما وصلوا القادسية .. طلب رستم مقابلة سعد بن أبي وقاص قائد المسلمين ..
وبدأت المراسلات بين الجيشين .. عندها وسوس الشيطان لأبي محجن رضي الله عنه فاختبأ في مكان بعيد وشرب خمراً ..
فلما علم به سعد رضي الله عنه غضب عليه .. وقيد يديه ورجليه .. وحبسه في خيمة ..
وبدء القتال .. وتنازل الأبطال .. وقعقعت السيوف .. وتتابعت الـحُتوف ..
ورميت الرماح .. وارتفع الصياح ..
وغبرت خيل الرحمن .. وعلت أصوات الفرسان .. وفتحت أبواب الجنان ..
وطارت أرواح الشهداء .. واشتاق الأولياء ..
وأبو محجن يئن بقيد ** فلمَ القيدُ أيّهذا الأسير؟؟
أيها الفارس العنيد ترجّل** فخيولي حبيسة لا تغير!!
يا أبا محجن كفاك قعوداً ** أنت بالحرب والسلاح خبير
فاعصب الرأس عزة تتلظى ** هُتك العرضُ والجناح كسير
أَزِفت ساعة القصاص وإلا ** فاجرع الموتَ ثم بئس المصير
أخذ أبو محجن .. يتململ في قيوده .. وتتحرك أشواقه إلى الشهادة .. فيثب ليبذل الروح .. فإذا القيد في رجله :
فأخذ يتحسّر على حاله ويقول :
كفى حزناً أن تدحم الخيل بالقنى *** وأتـرك مشدوداً علي وثاقيا
إذا قمت عناني الحديد وغلقت *** مصاريع من دوني تصم المناديا
وقد كنـت ذا مال كثيرو إخوة *** وقـد تركوني مفرداً لا أخاليا
فللــه عهد لا أحيف بعهده *** لإن فُـرّجت ألا أزور الحوانيا
ثم أخذ ينادي ويصيح بأعلى صوته ..
فأجابته امرأة سعد : ما تريد ؟
فقال : فكي القيد من رجلي وأعطيني البلقاء فرس سعد .. فأقاتل فإن رزقني الله الشهادة فهو ما أريد .. وإن بقيت فلك عليّ عهد الله وميثاقه أن أرجع حتى تضعي القيد في قدمي ..
وأخذ يرجوها ويناشدها .. حتى فكت قيده وأعطته البلقاء .. فلبس درعه .. وغطى وجهه بالمغفر .. ثم قفز كالأسد على ظهر الفرس .. وألقى نفسه بين الكفار يدافع عن هذا الدين ويحامي ..
علق نفسه بالآخرة ولم يفلح إبليس في تثبيطه عن خدمة هذا الدين ..
حمل على القوم يلعب بين الصفين برمحه وسلاحه .. وكان يقصف الناس قصفاً ..
وتعجب الناس منه وهم لا يعرفونه ..
فقال بعضهم : لعله مدد من عمر ..
وقال بعضهم : لعله ملك من الملائكة ..
ومضى أبو محجن يضرب ويقاتل .. ويبذل روحه ويناضل ..
فـأقـدم فـإما مُنْية أو مَـنيَّـة *** تريحك من عيش به لست راضيا
فما ثَـمَّ إلا الوصلُ أو كلفٌ بهم *** وحسبك فوزاً ذاك إن كنت واعيا
مضى أبو محجن ..
أما سعد بن أبي وقاص فقد كانت به قروح في فخذيه فلم ينزل ساحة القتال .. لكنه كان يرقب القتال من بعيد ..
فلما رأى أبا محجن عجب من قوة قتاله .. وأخذ يتبعه بصره ويقول :
الضرب ضرب أبي محجن .. والكر .. كر البلقاء .. وأبو محجن في القيد .. والبلقاء في الحبس ..
فلما انتهى القتال عاد أبو محجن إلى سجنه .. ووضع رجله في القيد ..
ونزل سعد فوجد فرسه يعرق .. فعلم أنها شهدت القتال ..
فدخل على أبي محجن .. فإذا جراحه تسل دماً .. وعيناه تفيض دمعاً ..
وهو يقول .. يا سعد .. والله لا شربت الخمر أبداً ..
فلله درّ أبي محجن .. نعم وقع في معصية .. ولكنه يفعل طاعات تغوص معصيته في بحرها ..
ومن ذا الذي ترجى سجاياه كلها * كفى المرء نبلا أن تعد معايبه

* * * * * * * * * *

أيها الأخوة والأخوات ..
نحن اليوم في زمن تكاثرت فيه الفتن .. وتنوعت المحن ..
وقل الأصدقاء .. وتلون الأعداء ..
فمنهم عدو كاشح في عدائه * * ومنهم عدو في ثياب الأصادق
ومنهم قريب أعظم الخطب قربه * * له فيكم فعل العدو المفارق
فأكثر المسلمين اليوم حائرون في الملذات .. غرقى في الشهوات ..
يبحثون عن حياض النجاة .. عن خشبة يتعلقون بها .. أو سفينة يأوون إليها ..
فمن كان عنده فضل مال فليجد به على من لا مال له ..
ومن كان عنده فضل طعام فليجد به على من لا طعام له ..
ومن كان عنده فضل علم فليجد به على من لا علم له ..
ومن كان عنده خوف ووجل .. من العظيم الأجلّ .. فليجد به على الغافلين .. المعرضين اللاهين ..
وأنت لا تدري .. ما هو الباب الذي تدخل منه إلى الجنة .. فابذل ولا يخذلك الشيطان ..

* * * * * * * * * *

وما أجمل أن ينتصر العبد على الشيطان ..
خرجت من المسجد يوماً فجاءني شاب عليه آثار المعصية وقد اسودّت شفتاه من كثرة التدخين .. فعجبت لما رأيته .. ماذا يريد .. فلما سلم عليَّ قال : يا شيخ أنتم تجمعون أموالاً لبناء مسجد أليس كذلك ؟
قلت : بلى .. فناولني ظرفاً مغلقاً .. وقال : هذا مال جمعتُه من أمي وأخواتي وبعض المعارف .. ثم ذهب ..
ففتحت الظرف فإذا فيه خمسة آلاف ريال .. وأنفقت تلك الخمسة آلاف في بناء ذلك المسجد ..
واليوم لا يذكر الله في ذلك المسجد ذاكر .. ولا يقرأ القرآن قارئ .. ولا يصلي مصلٍّ ..
إلا كان في ميزان ذلك الشاب مثل أجره ..
وعند مسلم قال صلى الله عليه وسلم : ( من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئاً ) ..

* * * * * * * * * *

وحدثني أحد الدعاة .. أنه طرق عليه باب بيته في منتصف الليل ..
قال : فخرجت أنظر من الطارق .. فإذا شاب عليه مظاهر المعصية ..
ففزعت في ظلمة الليل .. وسألته : ما تريد ؟
قال : أنت الشيخ فلان ؟
قلت : نعم .. قال : يا شيخ .. هنا رجلان قد أسلما على يدي .. ولا أدري ماذا أفعل بهما ..
فقلت في نفسي .. لعل هذا الشاب .. في ظلمة الليل قد شرب مسكراً .. أو تعاطى مخدراً ..فأذهب عقله ..
فقلت له : وأين هذان الرجلان .. قال : هما معي في السيارة ..
فنزلت معه إلى سيارته .. فلما أقبلت عليها فإذا اثنان من العمال الهنود .. ينتظران في السيارة .. قلت لهما : أنتما مسلمان .. قالا .. نعم الحمد لله .. الله أكبر ..
فالتفت إلى الشاب .. وقلت متعجباً : أسلما على يدك !!! .. كيف ..؟؟
فقال : هما يعملان في ورشة .. ولا زلت أتابعهما بالكتب حتى أسلما ..
والآن .. ما يفعل الرجلان طاعة .. ولا يصليان صلاة إلا كان في ميزان هذا الشاب مثل أجورهما ..
ومن دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئاً ..
ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله وعمل صالحاً ..

* * * * * * * * * *

حدثني أحد الصالحين أنه رأى الشيخ ابن باز رحمه الله بعد موته .. في المنام ..
قال : فسألته .. قلت يا شيخ دلني على عمل فاضل نافع ..
قال فرفع الشيخ يده وهزها وهو يقول : عليك بالدعوة إلى الله .. عليك بالدعوة إلى الله ..
وما زال يكررها حتى غاب عني ..
والدعوة إلى الله ليست مهمة صعبة ..
فكم من شخص كانت هدايته بسبب شريط نافع .. أو نصيحة صادقة .. أو رسالة عابرة ..

وصلتني رسالة قبل أيام .. من شاب في بريطانيا .. ذكر فيها مرسلها في أربع صفحات قصة ضلاله ومعاصيه .. ثم قال ..
وفي ليلة مشهودة .. دخلت مصلى في مانشستر .. فوطأت قدمي على شريط ملقى .. فأخذته ووضعته في جيبي ..
فلما وصلت إلى شقتي .. وضعته في المسجل أسمع .. فإذا الأمر عظيم .. والخطب جسيم ..
وإذا المسألة جنة ونار .. وثواب وعقاب .. قال : فما أصبحت تلك الليلة .. إلا وأنا تائب إلى الله ..
بسبب شريط واحد ..

ووصلتني ورقة بعد إحدى المحاضرات يقول كاتبها :
أنا قبل أربعة عشر عاماً .. كنت واقفاً عند إشارة مرور .. وقد رفعت صوت الغناء .. فالتفت إليَّ شاب من السيارة المجاورة .. وابتسم في وجهي .. ثم مدَّ إليَّ شريطاً ..
وأضاءت الإشارة خضراء وانطلق كل منا إلى سبيله ..
أما أنا فقد وضعت الشريط في المسجل .. فلما استمعت إليه .. فتح الله على قلبي .. وأصبحت لا أغيب عن المحاضرات والدروس إلى يومي هذا ..
وأنا لا أعرف هذا الشاب الذي اهتديت على يده لكنه يكفيه أن الله يعرفه .. والملائكةَ ترقبه .. وأني ما أعمل عملاً إلا كان في ميزانه مثل أجري ..
ومثل هذا الشاب كثير .. ولكن من يوصل إليهم الهدى ..

كم من شاب فجأه الموت وهو تارك للصلوات .. أو مقيم على كبائر الشهوات .. لأن الدعاة ما استطاعوا الوصول إليه .. وأصحابه ما نشطوا في نصيحته .. بحجة أنهم مقصرون مثله ..
وكم من فتاة ترى زميلاتها .. يتبادلن الصور والأشرطة المحرّمة .. بل وأرقام الهواتف المشبوهة .. ومع ذلك إذا طالبناها بنصيحتهن قالت : أنا احتاج إلى من ينصحني .. أنا مقصرة ..
عجباً .. ما أسعد الشيطان بسماع هذه الكلمات ..

لو تأملنا ..
كيف دخل الإسلام إلى أفريقيا والفلبين .. والهند والصين .. حتى صار فيها ملايين المسلمين ..
فمن دعا هؤلاء ..
والله ما دعاهم مشايخ ولا علماء .. وإنما اهتدوا بسبب أقوام من عامة الناس .. ليسوا طلبة علم .. ولا أئمة مساجد .. ولا تخرجوا من كليات الشريعة ..
أقوام ذهبوا إلى هناك للتجارة .. فدعوا الناس فأسلموا على أيديهم .. فخرج من هؤلاء المسلمين الهنود والصينيين علماءُ ودعاةٌ .. وأجر هدايتهم لأولئك التجار ..
إن توزيع الأشرطة .. ونشر الكتب .. وتوزيع بطاقات الأذكار .. أمور لا تحتاج إلى علم ..
من منا إذا سافر أخذ معه مجموعة من الأشرطة النافعة ثم إذا وقف في محطة وقود وضع في البقالة بعضها ..
وفي المسجد بعضها .. أو وزعها على السيارات الواقفة ..
أو أعطاها أولاده الصغار يوزعونها عليهم ..
الناس في الطريق لا بدّ أن يستمعوا إلى شيء فكن معيناً لهم على سماع الذكر والخير ..
من منا إذا رأى كتاباً نافعاً .. أو شريطاً مؤثراً .. اشترى منه كمية ثم وزّعها في مسجده ..
أو أهداها لزملائه في العمل .. أو طلابه في المدرسة ..
كثير من مجتمعات الشباب والفتيات تحتاج إلى شجعان يخترقونها .. نعم يخترقون التجمعات .. التي على الشواطئ وفي الاستراحات .. بل وفي البيوت والطرقات ..
نعم .. يخترقها الناصحون .. يصلحون ويذكرون .. يعظون هذا .. وينبهون ذاك .. ويتلطفون مع الثالث .. ويحتوون الرابع ..
ولو رأيت تائهاً عن بيته فدللته عليه .. لكنت مأجوراً ..
فكيف بمن هو تائه عن ربه .. غارق في خطيئته وذنبه .. فما أعظم من يدله عليه ..
ولإن كان أهل الباطل .. قد يفلحون في إفساد الشباب والفتيات .. ونشر المنكرات .. فإن أهل الحق أولى وأحرى ..

* * * * * * * * * *

وكلما كثرت المنكرات .. وقلت الطاعات ..
غضب رب الأرض والسماء .. وقرب نزول البلاء ..
بل إن المنكر إذا كثر .. خربت البلاد .. وهلك العباد .. وصار الناس كالبهائم .. ما بين حائر وهائم ..
والمنكر إذا وقع .. لم يضر الفاعلين فقط .. بل عم الصالح والطالح ..
قال الله { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ * وَاتَّقُواْ فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَآصَّةً وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ } ..
وذكر ابن عبد البر في التمهيد أن الله تعالى أوحى إلى جبريل أن أهلك قرية كذا وكذا ..
فقال جبريل : يا رب فيهم عبدك فلان .. رجل صالح .. أي بكاء في الأسحار .. صوام في النهار .. له صدقات وأعمال صالحات .. كيف أهلكه معهم ..
فقال الله : به فابدأ .. فإنه لم يتمعر وجهه فيَّ قط .. أي لم يكن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ..
وصح عند أحمد والترمذي .. أنه صلى الله عليه وسلم قال : والذي نفسي بيده لتأمرن بالمعروف .. ولتنهون عن المنكر .. أو ليوشكن الله أن يبعث عليكم عقاباً من عنده .. ثم لتدعنه فلا يستجيب لكم ) ..
وصح في المسند وغيرها .. أنه صلى الله عليه وسلم قال : ما من قوم يعمل فيهم بالمعاصي .. هم أعز وأكثر ممن يعمله .. ثم لا يغيروه .. إلا عمهم الله تعالى منه بعقاب ) ..
وصح في المسند أنه صلى الله عليه وسلم قال : إن من أمتي قوماً يُعطّون مثل أجور أولهم .. ينكرون المنكر ) ..
وصح عند أبي يعلى .. أنه صلى الله عليه وسلم قال : أحب الأعمال إلى الله إيمان بالله .. ثم صلة الرحم ..ثم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ) ..
نعم .. فلا يعذر أحد في ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .. كل بحسب استطاعته ..
فقد روى مسلم أنه صلى الله عليه وسلم قال : من رأى منكم منكراً فليغيره بيده ..
وعلى العاقل أن يسلك جميع السبل في سبيل إنكار المنكرات .. ولا يكتفي بسبيل واحد ثم يرضى بالقعود ..

رسالة عتاب

هذه رسالة عتاب إلى كل ملتزم
إلى كل من رآني على منكر ولم ينصحني ؟
أتذكر عندما رأيتني عند الإشارة وأنا أستمع إلى الأغاني ؟ لماذا لم تنصحني ؟؟؟
أتذكر عندما كنت أجلس على الأرصفة وكنت تراني ولم توجهني ؟؟؟
أتذكر عندما كنت أسهر في المقاهي حتى في ليلة الجمعة وكنت أخرج قبيل أذان الفجر بدقائق
ولم أذكر يوم من الأيام وجدتك فيها تنتظرني عند السيارة حتى ترشدني إلى طريق الهداية ؟
حتى الشريط ذي الثلاثة ريالات تكاثرته على أخوك ؟
لماذا ؟ ولماذا ؟؟؟
ألم تسمع قول الرسول صلى الله عليه وسلم : [ الدين النصيحة ] ؟؟
لماذا تبخل علي حتى بالإبتسامة حتى ظننت أن جميع الملتزمين معقدين مثل ما يقول بعض الشباب ؟؟
ألم تسمع قصة حسان ؟؟
كلنا حسان لو وجدنا من ينصحنا ؟؟؟
أستمع إليه في شريط
17 قصة مبكية
قصص من التوبه
وهو في جميع التسجيلات ؟
ألم تقرأ سلسلة العائدون إلى الله ؟؟
أترك لك الإجابه ؟؟؟؟


--------------------------------------------------------------------------------

هذه رسالة من شاب كان يقضي ليله كله على الرصيف وفي المقاهي بين الفضائحيات والشيشة والدخان ومقاهي الإنترنت والمواقع الإباحية ؟
وللأسف لم يجد من ينصحه ؟
أما الآن فهمه ولله الحمد الدعوة إلى الله ؟
................................................
لا تنسونا من صالح دعائكم ؟
أدع لنا بالثبات ؟

تائب إلى الله

لا سعادة بلا إيمان

هذه قصه واقعيه حدثت لفتاة عمانيه سكنت في عمان . والذين رووا القصة هم أقرب الناس إليها وبعض أفراد عائلتها ...
بدأت القصه عندما تزوج شاب عماني من امرأه أجنبيه حيث ظلت المرأة على ديانتها المسيحية لكنها ذهبت لتعيش في عمان مع زوجها .. وكان الرجل ذا منصب مرموق و مال .. أنجبوا أطفالاً ولكنهم افتقروا التربيه ...
هذه قصه محزنه لأنها تروي الحقيقة ... تروي حقيقة أحد بنات هذا الرجل ... وسأطلق على هذه الفتاة اسم (ملاك) ولا يوجد اسم افضل من ذلك لانها بالفعل أصبحت ملاكا ... !!
عاشت ملاك عيشه مترفة وكانت تملك كل ما يتمناه المرء من أشياء ... كان لديهم بيت فخم ، المال الكثير ، السيارات ، الملابس ... وكل ما يخطر على البال ... وفي معضم الاوقات كانت تفعل ما يحلو لها في أي وقت شاءت ..
كان الاب كثير السفر ، والأم غير جديرة بأسم "أم" ... وكانت الفتاة تفتقد الحنان ... كانت تريد أن تجد من يسمعها ويقضي الاوقات معها ... من يفهما و تثق به ... فتوجهت للفتيات اللاتي في نفس مستوى
معيشتها (الاغنياء) وكانت تقضي أوقاتها مع أصدقائها أو سماع الموسيقى ... بشكل عام ... الاستمتاع بالوقت كما يطلقون عليه ... و لم يكن هناك من يمنعهم .. فكانوا يفعلون ما يحلو لهم ...
في احدى العطلات ... قرروا قضاء بضع ايام في (صلاله) .. كانوا ( ملاك وصديقاتها وستة شبّان ) .. أخذوا غرفتين ... غرفه للشباب و غرفة للبنات ... وكانوا جميعاً يجلسون في غرفة واحدة أو يذهبون للملاهي إلى الساعة الثانية صباحا ثم يخلدون للنوم .. هذه مدى الحريه التي كانت تتمتع بها ملاك و صديقاتها !! على الاقل .. هذا ما كانوا يطلقون عليه ( الحريه ) !!
كان لملاك و صديقتها صديقان ( Boy Friends ) وذهبوا للتمشي ثم قرروا الذهاب الى بيت صديقتها لخلوّه ... وجلسوا في الصاله لبعض الوقت ... ثم قررت صديقة ملاك الذهاب الى حجره مع صديقها وقالت لملاك
أنها أيضا باستطاعتها الذهاب الى أي غرفة شاءت مع صديقها ... لكنها فضّلت البقاء في الصالة والحديث معه ...
بعد لحظات ... نادت الفتاه صديقتها ملاك لتأتي إليها ... فلما ذهبت ملاك و صديقها لينظروا أن الفتاة مع صديقها في منظر يخل بالادب والحياء !! كانوا مصعوقين !! صفعت ملاك صديقتها و قالت (
كيف تجرئين !؟ ) ثم خرجت من البيت مسرعه و هي تبكي .. أحست بشعور غريب لم تشعر به قط .. ولأول مره في حياتها شعرت ان حياتها بلا معنى أو مغزى ..
كانت تبحث فقط عن مكان يريحها .. كرهت كل شيء كانت تتمتع به في الماضي .. كرهت الموسيقى .. كرهت اللوحات ... كرهت البيت و المال .. الملابس ... عائلتها ... كل شيء .. كرهت كل شيء لانها لم تجلب لها غير البؤس و العار ... ذهبت لمنزلها لسماع الموسيقى الصاخبه وأصوات إخوتها وهم يلعبون مع
أصدقائهم ... كم كرهت تلك الاشياء اللتي حدثت في منزل صديقتها ... ذهبت لترتاح في غرفتها ... لكنها وجدت تلك الصور و الملصقات و هي تحدق بها .. بدأت بتقطيع الملصقات و تكسير الصور ... شعرت بالتعب .. ولكنها أفرغت ما بداخلها ..
والآن حان وقت الصلاه .. ذهبت للصاله لهدوئها كي تصلي .. أرادت أن تصلي .. لكنها لم تعرف كيف ! ذهبت الى الحمام واغتسلت لأنها لم تعرف كيف تتوضأ !! ثم وقفت على سجادة صلاة جدتها .. لم تعرف ما
تفعل ... فوجدت نفسها ساجدة عليها تبكي وتدعو الله ... ظلت على هذه الوضعيه ما يقرب من ساعة ... افرغت ما بقلبها لخالقها .. شعرت بارتياح .. لكن كان هناك المزيد ... ثم تذكرت عمها اللذي لم تره من زمن بعيد .. لضعف العلاقات العائليه ... كان هو من يستطيع مساعدتها .. قررت الذهاب اليه ولكنها لم تجد ملابس مناسبه لهذه الزياره ... كانت ملابسها تظهر مفاتنها وأجزاء من جسمها ... حينها تذكرت ان عمتها قد اهدتها عباءة و حجاب وقرآن ... لبست ما يليق بهذه الزيارة و نادت سائق جدتها ليوصلها الى بيت عمها ... عندما طرقت الباب خرجت زوجة عمها فارتمت في حضنها باكيه ... ففهمت زوجة عمها بالامر ... وحضر عمها .. ففعلت نفس الشء .... لم يعرفها عمها في بادء الامر ... لكن بدأ يطمأنها حلما عرف أنها ابنة أخيه وبدأ بالحديث معها ... قالت ملاك فيما بعد أن هذه هي أول مره لها تشعر
بالحنان و الحب والاهتمام ... ثم طلبت أن ترى إحدى بنات عمها لتعلمها الصلاة و الوضوء وما يتعلق بالدين ... ثم طلبت منهم عدم الدخول عليها و سألت عمها عن المدة اللازمة لحفظ القرآن ... فقال خمس سنين ... فحزنت .. وقالت ... ربما أموت قبل أن تنفضي خمس سنين ! وبدأت في رحلتها ... بدأت في حفظ القرآن الكريم ...
كانت ملاك سعيده بهذا النمط الجديد من الحياة .. كانت مرتاحة له كليا .. وبعد حوالي شهرين .. علم الاب ان ابنته ليست في البيت !!! أي أب هذا !!!
ذهب الرجل إلى بيت أخيه ليأخذ ابنته فرفضت ... ثم وافقت على أن تعيش في بيت جدها لحل الخلافات ... حققت ملاك حلمها بحفظ القرآن ... لكن ليس في خمس سنين ... و لا ثلاثة سنين .. ولا سنه .. إنما في ثلاثة أشهر ... !!! سبحان الله .. أي عزيمة وإصرار هذا !! نعم حفظته في ثلاثة أشهر ...
ثم قرروا ان يحتفلوا بهذه المناسبه فدعت الجميع للحضور ... كان الجميع فرحين مبتهجين ... وعندما وصلوا ... قالوا لهم أنها تصلي في غرفتها ... طال الانتظار و لم تخرج !! فقرروا الدخول عليها ...
وجدوها ملقاة على سجادة الصلاه وهي تحتضن القرآن الكريم بين ذراعيها و قد فارقت الحياة ... فارقت الحياه و هي محتضنة القرآن بجانب القلب الذي حفظه ... كان الجميع مذهولين لوفاتها ...
قرروا غسلها ودفنها ... اتصلوا بأبيها ... وقد أوصت ملاك جدها بمنع أمها من الحضور إذا لم تغير ديانتها للإسلام ... وحضر إخوانها وأخواتها ... وبدأوا بغسلها ... كانت أول مرة لابنة عمها ان تغسل
ميت ... ولكنهم فعلوا .. وقالوا بانهم احسوا ان هناك من كان يساعدهم في الغسيل ... كانوا غير مرئيين !!!
جهزوا الكفن ... وعندما أرادوا ان يكفنوها .. اختفى الكفن .. بحثوا عنه فلم يجدوه !! ... ظلوا يبحثون فلم يجدوا غير قماش اخضر في ركن البيت تنبعث منه اروع روائح العطر ... فلم يجدوا غيره ليكفنوها به ...
وعندما صلوا عليها كان ستة رجال من بين المصلين يلبسون ثياب خضراء ... وبعد الصلاه حمل هؤلاء الرجال ملاك الى المقبره ودفنوها ... لم يكونوا هؤلاء الرجال أحد أفراد العائلة واختفوا بعد الدفن هؤلاء الرجال السته ... ولم يعلم احد من هم أو من أين أتوا وأين ذهبوا ... !!! ولكن لا شك في انهم ملائكه بعثوا من عند الله ليعاملوا روحها كما أمر الله عز وجل ...
استحقت ملاك هذه الجنازه من الملائكة وليس البشر لانها وصلت لمرحله عاليه لم يصل إليها الكثير ... المحزن في الامر أن هناك الكثير من مثل ملاك في عمان و باقي الدول الاسلاميه ...
أتمنى من الجميع نشر هذه القصه ليتعلم الجميع من هذه القصة المعبرة ... لكل رجل وامرأه .. عند وقت الزواج لا تفكر في الحب والشهوه .. فكر في الأطفال الذين سيأتون ... اختر أبا جيدا أو أما جيدة قبل
الانجاب ... وتذكر ان هناك يوم بعث وحساب ... فإما الجنه أو النار ... اعتنوا بابنائكم وأهلكم و أعطوهم الحب و الاهتمام ... مثل ملاك .. بالرغم من كل ما كانت تملك ... لم تشعر بالسعاده قط الا عندما وجدت طريقها الى الله ... فعلاً .. لا سعاده بلا إيمان ...

رفع الهـمـم إلى القمـم

أنا إن عشت لست أعدم خبزا *** وإذا مت لست أعدم قبرا
همتّي همة الملوك ونفسي *** نفس حر ترى المذلة طفرا
السلام على أهل الهمة ..
فهم صفوة الأمم ...
وأهل المجد والكرم ..
طالت بهم أرواحهم إلى مراقي الصعود ... مطالع السعود ... ومراتب الخلود
ومن أراد المعالي هان عليه كل هم .. لأنه لولا المشقة ساد الناس كلهم ..
ونصوص الوحي تناديك ... سارع ولا تلبث بناديك
وسابق ولا تمكث بواديك ..
أمية بن خلف لما جلس مع الخلف أدركه التلف ...
ولما سمع بلال بن رباح حي على الفلاح .. أصبح من أهل الصلاح
أطلب الأعلى دائما وما عليك ...
فإن موسى لما اختصه الله بالكلام قال : *** رب أرني أنظر إليك ***
المجد لايأتي هبة ... لكنه يحصل بالمناهبة .
فلما حمل الهدهد الرسالة ، ذكر في سورة النمل بالبسالة .
نجحت النملة بالمثابرة ، وطول المصابرة ،
تريد المجد ولا تجدّ ...؟؟؟؟
تخطب المعالي وتناوم الليالي ...؟؟؟
ترجوا الجنة وتفرط في السنة ...؟؟؟
قام رسولنا صلى الله عليه وسلم حتى تفطرت قدماه ...
وربط الحجر على بطنه من الجوع .. وهو العبد الأواه ..
وأدميت عقباه بالحجارة .. وخاض بنفسه كل غارة ..
يدعى أبو بكر من الأبواب الثمانية ، لأن قلبه معلق بربه كل ثانية ..
صرف للدين أقواله ،، وأصلح بالهدى أفعاله ،، وأقام بالحق أحواله ،، وأنفق في سبيل الله أمواله ... وهاجر وترك عياله
لبس عمر المرقع ،، وتأوّه من ذكر الموت وتوجع ،، وأخذ الحيطة لدينه وتوقع ..
عدل وصدق وتهجد ،، وسأل الله أن يستشهد ،، فرزقه الله الشهادة في المسجد ..
عليك الجد إن الأمر جد *** وليس كما ظننت ولا وهمتا
وبادر فالليالي مسرعات *** وأنت بمقلة الحدثان نمت
اخرج من سرداب الأماني ،، يا أسير الأغاني ،،
وانفض غبار الكسل واهجر من عذل ،، فكل من سار على الدرب وصل ..
نسيت الآيات وأخّرت الصلوات ،، وأذهبت عمرك السهرات ،، وتريد الجنات ؟؟؟
ويلك !! والله ما شبع النمل حتى جد في الطلب ..
وما ساد الأسد حتى وثب ..
وما أصاب السهم حتى خرج من القوس ..
وما قطع السيف حتى صار أحد من الموس ..
الحمامة تبيني عشها ..
والحمرة تنقل عشها ..
والعنكبوت تهندس بيتها ..
والضب يحفر مغارة ...
والجرادة تبني عمارة ..
وأنت لك مدة ... ورأسك على المخدة .. في الحديث *** إحرص على ما ينفعك ***
لأن ما ينفعك يرفعك ...
*** المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف ***
بالقوة يبنى القصر المنيف ,, وينال المجد الشريف ..
همة تنطح الثريا وعزم *** نبوي يزعزع الأجبال
صاحب الهمة مايهمه الحرّ ... ولايخيفه القرّ ... ولا يزعجه الضرّ .. ولايقلقله المرّ
لأنه تدرع بالصبر .
صاحب الهمة يسبق الأمة .. إلى القمة ..
*** والسابقون السابقون أولئك المقربون ***
لأنهم على الصالحات مدبون في البر مجرّبون .
عمي بعض المحدثين من كثرة الرواية ،، فما كلّ ولاملّ حتى بلغ النهاية ،،
مشى أحمد بن حنبل من بغداد إلى صنعاء ،، وأنت تفتر في حفظ دعاء .
سافر أحدهم إلى مصر وغدوه شهر ورواحه شهر ،، في طلب حديث واحد ،، ليدرك به المجد الخالد .
ولولا المحنة ، مادعي أحمد إمام االسنة ,, ووصل بالجلد إلى المجد .
ووضع ابن تيمية في الزنزانة ,, فبرز بالعلم زمانه .
واعلم أن الماء الراكد فاسد ،، لأنه لم يسافر ولم يجاهد .
ولما جرى الماء ،، صار مطلب الأحياء .
بقيت على سطح البحر الجيفة ،، لأنها خفيفة ,,
وسافر الدرّ إلى قاع البحر ،، فوضع من التكريم على النحر .
فكن رجلا رجله في الثرى *** وهامة همته في الثريا
ياكثير الرقاد ،، أما لنومك نفاد ؟؟
سوف تدفع الثمن يامن غلبه الوسن ..
تظن الحياة جلسة ,, وكبسة,, ولبسة,, وخلسة ؟؟
بل الحياة شريعة ودمعة ،، وركعة ،، ومحاربة بدعة .
الله أمرتا بالعمل ،،لينظر عملنا وقال ** والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا **
فالحياة عقيدة ،، وجهاد ،، وصبر ،، وجلاد ،، ونضال ،، وكفاح ،، وبر ،، وفلاح .
لامكان في الحياة لأكول كسول ..
ولامقعد في حافلة الدنيا للمخذول ..
ابدأ في طلب الأجر من الفجر ،، بقراءة وذكر ،، ودعاء وشكر ،، لأنها انطلاق الطير من وكورها ،،
ولا تنسى : ** بارك الله لأمتي في بكورها **
العلم في حركة ،، كأنه شركة ،، وقلبك خربة كأنه خشبة .
والطير يغرد ،، والقمري ينشد ،، والماء يتمتم ،، والهواء يهمهم ،، والأسود تصول ،، والبهائم تجول ،، وأنت جثة على الفراش ؟؟ لافي أمر عبادة ، ولا معاش ؟؟
نائم هائم ،، طروب لعوب كسول أكول .
ولاتقل الصبا فيه اتساع *** وفكر كم صبي قد دفنتا
تفرّ من الهجير وتتقيه *** فهلا من جهنم قد فررتا
أنت تفتر والملائكة لايفترون ،، وتسأم العمل والمقربو لايسأمون ،،
بم تدخل الجنة ؟؟
هل طعنت في ذات الله بالألسنة ؟؟
هل أوذيت في نصر السنة ؟؟
فانفض عنك غبار الخمول ,, ياكسول .
فبلال العزيمة ،، أذن في أذنك فهل تسمع ؟؟
وداع الخير دعاك فلماذا لاتسرع ؟؟
*** ياأيها الذين ءامنوا استجيبوا لله ورسوله إذا دعاكم لما يحييكم ***
ولابد للهمم الملتهبة أن تنال مطلوبها ،،
ولابد للعزائم المتوثبة أن تدرك مرغوبها ..
سنة لاتبدل ،، وقضية لاتحوّل ..
سوف تأتيك المعالي إن أتيت *** لاتقل سوف ، عسى ، أين ، وليت
قل للمتخلفين اقعدوا مع الخالفين ،، لأن المنازل العالية والأماني الغالية ،، تحتاج إلى همم موارّة ،، وفتكات جبارة ,, لينال المجد بجدارة
وقل للكسول النائم .. والثقيل الهائم .. امسح النوم من عينيك ،، واطرد الكرى من جفنيك ,, فلن تنال من ماء العزة قطرة ،، ولن ترى من نور العلى خطرة ،، حتى تثب مع من وثب ،، وتفعل مايجب ،، وتأتي بالسبب .
ألا فليهنأ أرباب الهمم ،، بوصول القمم .
وليخسأ العاكغون على غفلاتهم في الحضيض ،، فلن يشفع لهم عند ملوك الفضل نومهم العريض .
وقل لهؤلاء الراقدين : *** إنكم رضيتم بالقعود أول مرة فاقعدوا مع الخالفين ***
فهبوا إلى درجات الكمال ... نساء ورجالا ودرّبوا على الفضيلة أطفالا ..
*** انفروا خفافا وثقالا ***

Monday, September 29, 2008

سيدة الكون

كيف لي ان ابداء حدثي معكي سيدتي

فقد تبعثرت كل قصائدي وكلماتي فأصبحت حروف هائمة لتجمعيها انتي

سيدتي اسمحي لي بنظره فقط الى عيناك الساحرتان

اريد ان ابحر فيها انني ارى جميع معالم وجهي هناك في داخل بحور عيناك

كم هما رائعتان ارجوك لاتحركي رمشاكي كي لايزداد بي اموج بحرك من مد وجزر

فانا الا صياد لا اجيد السباحة فيها ولكن ركبت قواربي ومجاديفي لاتسعفني ان ابحر اكثر

انهما عالم يسحرني بالؤلؤها العجيبه 0 وهدوءها الذي يجعلني ان استريح قليلا لاستلهم فكر وعقلي

دعينى اقف هنا على شوطئها لقد احتظنتني رموشك في بحر عيناك بعيدا عن انظار الحاسدينا

لقد غطتني من البرد والهجير 0شكرا لك سيدتي

ياملكة جمال هذا الكون الحالم

احمليني الى عالمك بشتي صوره وباي طريقة شئتي

فقد اعلنت الرحيل معكي دون ان احمل سوى قلبي ومشاعري

ساترك هنا اثرا لمن يسال عني

انه شذى عطرك الرائع واثار اقدامنا

عندما يصلون الى هنا سيعرفون بانا كنا عشقنا التقينا ورحلنا

سيدتي هل سترحلين معي

فقد بنيت لكي هناك في واحة الاحلام مملكة للحب

حركي ابوابها ونوافذها وجميع اركانها بتواجدك

بنظراتك لها سوف تضئ لونها السحري للابد

بشذى عطرك سوف تجعلينها ورحا حالمة للعاشقينا

بعبورك اليها ساكون اسعد انسان في هذا الكون

ملكة جمال هذا الكون

كم هي هذه السعادة متعبة كم هي متبعة سيدتي

هل تشاهدين كل هذه القصائد المذهبة بروائع الكلمات انها لكي

سيدتي مدي ايديكي الي ساظمها وارحل بك بعيدا

عن عالم انتابه الخوف والخيانه

سنحلم نبعيدا عن انظار الحاسدينا

الى مملكة الحب العظيمة

================================================== =

بحر الغرام
كنت انتظرك كثيررا هنا بحثت عنك في اارجاء المعموره سالت ربان السفن وقراصنة البحار فجاوبني بانك جوال وليس لي امل في الوصول اليك وفي ليلة الحالمة

رايت من شواطئ احلامي بان هناك لون ليس كالوان البحار الاخرى ومحيطا من الكلمات فعرفت انك هناك فركبت قاربي لاصل اليك

كم انت حالم ومغرم

نسائمك ليست كباقي النسائم انها تلهم الروح عشقا اخر بنكهة نزارية

امواجك هادئة ولكنها جارفة وقوية

دومات بحر اغرقت من تحب وجرفته الى كنوز بحرك

رايتك من فترة هنا ولكن لم استطيع ان ابحر اليك وترددت كثيرا فكان لابد ان احمل ولو شئ بسيط من كلماتي كي اضعها طعما لروائعك فاصطاد منها الافضل ولابرز ولكنها كلها كان كنزا

يا بحر الغرام
اهدئ من مر هنا من بحاره وقراصنة الاشعار روائع كلماتي واشكرهم من حب في قلبي جارف لهم تعبت من الوقوف ياسيدي فاسمح لي بان ارتاح قليلا على شواطئك

Saturday, September 27, 2008

أسباب قسوة القلب

الحمدلله رب العالمين، والصلاة والسلام على النبي الأمين. وعلى آله وأصحابه أجمعين. أما بعد:

فإن القلب هو ملك الجوارح وقائدها، فإذا إستقام القلب إستقامت الجوارح، وإذا إعوجّ القلب تابعته الجوارح على الإعوجاج، كما قال : {... ألا وإن في الجسد مضغة، إذا صلحت صلح سائر الجسد، وإذا فسدت فسد سائر الجسد. ألا وهي القلب }.

ولمّا كان القلب بهذه الخطورة كان معرفة أسباب مرضه وفساده أو موته ضرورياً في تحديد العلاج المناسب لهذه الآفات التي تهاج القلب فتؤثر في سيره، فيضعف بها أو يموت، وسوف نذكر في هذه العجالة ـ على سبيل الإختصار ـ أسباب قسوة القلب، وغير خافٍ على أحد أن عكس هذه الأسباب وضدها هو علاجٌ لقسوة القلب، أو هو أسباب صلاحه وإستقامته، فمن أسباب قسوة القلب:

1. حب الدنيا والحرص عليها من أي وجه كان.

2. طول الأمل ونسيان بغتة الموت.

3. التعلق بغير الله تعالى.

4. ركوب بحر الأماني الكاذبة.

5. كثرة مخالطة الأنام في غير طاعة الله.

6. كثرة النوم.

7. التسويف.

8. كثر الطعام والشراب.

9. التكاسل عن الطاعات.

10. أكل الحرام من الأموال والأطعمة والأشربة وغيرها.

11. نسيان الذنب الماضي ووضع الذنب على الذنب.

12. الترف الزائد والغرور الكاذب.

13. الغيبة والنميمة واللعن والسب وجعل أعراض الناس مادة للفكاهة والتسلية.

14. الكذب والبهتان والإفتراء.

15. السخرية والإستهزاء بالآخرين.

16. كثرة الضحك والمزاح واللهو واللعب.

17. الكبر والإعجاب بالنفس والزهو.

18. الحقد والحسد والبغضاء والتنافس في حيازة الدنيا وحطامها.

19. الغضب وسوء الظن بالآخرين وضيق الصدر بهم.

20. البخل والشح وقبض اليد عن الإنفاق في مجالات الخير.

21. الغفلة عن ذكر الله عز وجل وشكره والثناء عليه.

22. التهاون في أداء الصلاة وعدم إحترام مواقيتها وأركانها ووجابتها وسننها.

23. ترك صلاة الجماعة مع عدم العذر.

24. عدم الخشوع في الصلاة.

25. عدم التورع في الشبهات.

26. الجزع والطيش والعجلة.

27. كثرة مجالسة الأغنياء من أهل الدنيا.

28. مجالسة أهل الأهواء والبدع.

29. سماع الغناء والموسيقى.

30. تضييع الأوقات في متابعة القنوات.

31. التساهل في الولاء والبراء.

32. تعمد ترك السنة والنوافل.

33. إخلاف الوعد وخيانة العهد.

34. كثرة الكلام بغير ذكر الله.

35. طاعة الشيطان وأتباعه.

36. إتباع الهوى والنفس الأمارة بالسوء.

37. التشبه بأعداء الله الكافرين.

38. تشبه الرجال بالنساء والنساء بالرجال.

39. الظلم والتعدي على الآخرين والبغي عليهم بغير حق.

40. الجهل بأمور الدين والدنيا.

41. الجرأة على محارم الله عز وجل والتساهل في إتيان الذنوب مع الإعتماد على العفو والمغفرة وسعة الرحمة.

42. إتباع الشهوات ومجانبة سبيل أهل العفاف.

43. الغلظة والفظاظة في التعامل مع الآخرين.

44. الغش والخداع للمسلمين وإفساد ذات بينهم.

45. قراءة الكتب والقصص والأشعار والصحف التي تدعو إلى الإلحاد والكفر، أو ممارسة الجنس والشذوذ دون قيد ضابط.

46. الإستهانة بالصغائر.

47. البعد عن القرآن قرآةً وحفظاً وتدبراً وعملاً وتحكيماً.

48. البعد عما يوجب رقة القلب من ذكر الموت وزيارة القبور، وتذكر البرزخ والحساب والجنة والنار وغير ذلك.

49. عقوق الوالدين وقطيعة الأرحام وإيذاء الجيران.

50. بغض أصحاب رسول الله .

51. ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والنصح للمسلمين.

وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

قف واعتبر

الموت

إن الموت حقيقة قاسية رهيبة، تواجه كل حي فلا يملك لها رداً، وهي تتكرر في كل لحظة ويواجهها الجميع دون استثناء، قال تعالى: كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ [العنكبوت:57]، إنها نهاية الحياة واحدة فالجميع سيموت لكن المصير بعد ذلك يختلف، فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ [الشورى:7]، وفي الموت عظة وتذكير وتنبيه وتحذير، وكفى به من نذير، قال : { كفى بالموت واعظاً } والموت هو الخطب الأفظع والأمر الأشنع والكأس التي طعمها أكره وأبشع، وأنه الحادث الأهدم للذات والأقطع للراحات والأمنيات.

ولكننا مع الأسف الشديد نسيناه أو تناسيناه وكرهنا ذكره ولقياه مع يقيننا أنه لا محالة واقع وحاصل، والعجب من عاقل يرى استيلاء الموت على أقرانه وجيرانه وكيف يطيب عيشه! وكيف لا يستعد له! إن المنهمك في الدنيا، المكب على غرورها المحب لشهواتها يغفل قلبه لا محالة عن ذكر الموت، وإذا ذُكّر به كرهه ونفر منه، ومن لم يتذكر الموت اليوم ويستعد له فاجأه في غده وهو في غفلة من أمره وفي شغل عنه.

قال مالك بن ينار: ( لو يعلم الخلائق ماذا يستقبلون غداً ما لذوا بعيش أبداً ).

وما خاف مؤمن اليوم إلا أمن غداً بحسن اتعاظه وصلاح عمله، ولكن كثيراً من الناس مع الأسف الشديد يضيع عمره في غير ما خلق له، ثم إذا فاجأه الموت صرخ رَبِّ ارْجِعُونِ [المؤمنون:99] ولماذا ترجع وتعود لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ [المؤمنون:100] وأين أنت عن هذا اليوم أيها الغافل؟ ألا تعمل وأنت في سعة من أمرك وصحة في بدنك، ولم يدن منك ملك الموت بعد.

إن ما نراه في المقابر أعظم وأكبر معتبر، فحامل الجنازة اليوم محمول غداً، ومن يرجع من المقبرة إلى بيته اليوم سيرجع عنه غداً ويُترك وحيداً فريداً في قبره مرتهناً بعمله، إن خيراً فخير وإن شراً فشر.


وحيداً فريداً في التراب وإنما *** قرين الفتى في القبر ما كان يعمل

ولكن ما أقل من اتعظ وما أنذر من اجتهد، إن كان من قصر أمله، وجعل الموت أمام ناظريه عمل بلا شك للآخرة واستفاد من كل لحظة من لحظات عمره في طاعة ربه وتحسر على كل وقت أضاعه بدون عمل صالح يقربه إلى الله، وهو لما قدم من عمل فرح مسرور بالانتقال إلى الدار الآخرة وهذا هو المغبوط حقاً.

قال لقمان لابنه: ( يا بني أمرٌ لا تدري متى يلقاك استعد له قبل أن يفجأك ).

وقال بعض السلف: اعلم أنه لو لم يكن بين يدي العبد المسكين كرب ولا هول ولا عذاب سوى سكرات الموت بمجردها لكان جديراً بأن يتنغص عليه عيشه ويتكدر عليه سروره ويفارقه سهوه وغفلته، وحقيق بأن يطول فكره ويعظم له استعداده، كيف ونحن نعلم أن وراء الموت القبر وظلمته، والصراط ودقته والحساب وشدته، أهوال وأهوال لا يعلم عظمها إلا بالله.


للموت فاعمل بجد أيها الرجل *** واعلم بأنك من دنياك مرتحل


إلى متى أنت في لهو وفي لعب *** تمسي وتصبح في اللذات مشتغل


اعمل لنفسك يا مسكين في مهل *** ما دام ينفعك التذكار والعمل


القبر

القبر هو أول منازل الآخرة فكيف بنا أهملنا بنيانه وقوضنا أركانه وليس بيننا وبين الانتقال إليه إلا أن يقال: فلان مات. قال : { ما رأيت منظراً إلا والقبر أفظع منه } وقال عليه الصلاة والسلام: { القبر أول منازل الآخرة فمن نجا منه فما بعده أيسر منه ومن لم ينج منه فما بعده أشد منه }.


فارقت موضع مرقدي يوماً ففارقني السكون *** القبر أول ليلة بالله قل لي فيه ما يكون

نظرة واحدة بعين البصيرة في هذا القبر والله سوف تعطيك حقيقة هذه الدنيا فبعد العزة وبعد الأموال وبعد الأوامر والنواهي وبعد الخدم والحشم وبعد القصور والدور، أهذه هي نهاية ابن آدم في هذه الحفرة الضيقة المظلمة.


تالله لو عاش الفتى في عمره *** ألفاً من الأعوام مالك أمره


متلذذاً فيها بكل نعيم *** متنعماً فيها بنعمى عصره


ما كان ذلك كله في أن يفي *** بمبيت أول ليلة في قبره


أخي الحبيب:

انظر لحال الموتى وتأمل حالهم ومآلهم فوالله إنه سيأتيك يوم مثل يومهم وسيمر عليك ما مرّ بهم، ألا فاعتبر واستعد، ولا تغفل ولا تنسى مصيرك ومآلك، فهل تصورت نفسك وأنت مكان هذا المدفون، والله إنها نعمة كبيرة أن أعطاك الله العبرة من غيرك ولم يعط غيرك العبرة منك، فأعطاك الفرصة أن تحاسب نفسك وتستعد لذلك المصرع، فهلاّ استفدت من هذه الفرصة ما دام في الوقت مهلة، لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلْ الْعَامِلُونَ [الصافات:61] وجاء في الحديث عن النبي أنه قال: { إذا وضعت الجنازة واحتملها الرجال على أعناقهم فإن كانت صالحة قالت: قدموني، قدموني، وإن كانت غير صالحة قالت لأهلها: ياويلها أين تذهبون بها، يسمع صوتها كل شيء إلا الإنسان، ولو سمع الإنسان لصعق } [رواه البخاري]. فتخيل نفسك يا عبد الله وأنت محمول على الأعناق وعلى أي الحالتين تحب أن تكون.

وقال : { والله لوتعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيراً ولما تلذذتم بالنساء على الفرش، ولخرجتم إلى الصعدات تجأرون بالبكاء ولحثيتم على رؤوسكم التراب } وهذا الكلام موجه للصحابة رضي الله عنهم فكيف بك أنت أيها الغافل اللاهي تلهو وتلعب وتغني وتعصي الله صباحاً ومساء، ولا كأن أمامك موت ولا قبر ولا حشر ولا نشر، ولا كأن أمامك هذه الأهوال العظيمة، فما أقسى والله قلبك وما أقل عقلك. فتنبه لذلك أيها المسكين إن كنت تعقل وتفهم.

وجاء في الأثر أن الإنسان إذا وضع في قبره وكان فاجراً عاصياً تقول له الأرض: والله إن كنت لمن أبغض الناس إليّ وأنت تمشي على ظهري فجئت اليوم في بطني فسترى ماذا أصنع بك من غيظي، فتخيل يا عبدالله وأنت في هذا القبر الموحش المظلم يقال لك مثل هذا الكلام فحينئذ لا ينفعك ندم ولا صياح ولا بكاء ولا أنين.

وجاء في الحديث أيضاً أن الميت إذا وضع في قبره جاءه ملكان فيسألانه عن ربه ودينه ونبيه فإن كان ممن مات على الذنوب والمعاصي لم يوفق للإجابة فحينئذ يضيق عليه في قبره حتى تختلف أضلاعه ويضرب بمرزبة من حديد لو ضرب بها جبل لهدته وتفتح له نافذة الى النار ويرى مقعده فيها ويأتيه من حرّها وسمومها ويبقى هو في قبره في عذاب على حسب عمله، وإن كان الميت ممن أطاع الله وعمل صالحاً فإن الله يثبته ويوفقه للإجابة ويوسع له في قبره وينور له فيه، ويرى مقعده من الجنة ويفرش له في قبره خضراً إلى يوم القيامة.

فيا عبدالله أي المقعدين تريد؟ وأيهما أهون عليك طاعة الله أم تلك الأهوال التي أمامك؟! والله إن طاعة الله أهون عليك بكثير مما أمامك فما الذي يمنعك من ذلك وماذا تنتظر!.


أخي الحبيب:

هل تذكرت لحظة الفراق عندما تلقي آخر النظرات على هذه الدنيا وتستقبل الآخرة بما فيها من الأهوال والصعاب فإما أن تنتقل إلى سموم وحميم وتصلية جحيم فاعمل من الآن عملاً ينجيك بإذن الله مما أمامك من أهوال ما دام في الوقت مهلة وما دمت تستطيع ذلك لتخرج من هذه الدنيا مرتاحاً وفرحاً مسروراً بلقاء ربك، وبما أعده لك من النعيم المقيم.


ولدتك أمك يا ابن آدم باكياً *** والناس حولك يضحكون سروراً


فاعمل لنفسك أن تكون إذا بكوا *** في يوم موتك ضاحكاً مسروراً

وفق الله الجميع لما يحب ويرضى.

والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين

عليك أربعة شهود

الحمد لله الذي يرى ويسمع كل ما في الكون من سر ومن إعلان، فهو العليم وهو الخبير وهو الشهيد وهو البصير، فسبحانه ما أعظمه، وهو المحيط وهو السميع فلا إله إلا الله، أحاط بكل شئ علماً، فأين نذهب عن علمه وإحاطته؟؟

وأصلي وأسلم على البشير النذير الذي أضاء لنا الطريق وبين لنا السبيل..

أخي الكريم: أين تذهب؟؟ انتبه !! عليك شهود يراقبونك في أي مكان، وفي أي زمان، فأين تذهب؟؟

وأنت يا أختاه.. انتبهي واعلمي أن هناك شهوداً يشهدون على أفعالك، ويراقبون جميع تحركاتك فاحذري.

فأما الشاهد الأول: فهو هذه الأرض التي نمشي عليها، ونأكل عليها، ننام عليها ومنا من يعصي الله عليها، هذه الأرض لها يوم ستتحدث فيه وتتكلم فيه بما عملت عليها ــ ياعبدالله ــ سوف يأتي اليوم الذي تفضحك فيه وتكشف أسرارك، ولعلك تقول: ما هو الدليل على أن الأرض ستشهد يوم القيامة؟ فأقول: يقول الله تعالى: إذا زلزلت الأرض زلزالها (1) وأخرجت الأرض أثقالها (2) وقال الإنسان مالها (3) يومئذ تحدث أخبارها [الزلزلة:1-4].

قوله: يومئذ تحدث أخبارها فسَّرها النبي عليه الصلاة والسلام بقوله: { أتدرون ما أخبارها؟ } قالوا: الله ورسوله أعلم، فقال: { فإن أخبارها أن تشهد على كل عبد أو أمة بما عمل على ظهرها، تقول: عملت كذا وكذا يوم كذا وكذا، فهذه أخبارها } [رواه الترمذي:3353]، وقال: حديث حسن.

نعم يا أخي الكريم.. إي والله يا أختاه.

فيا ترى!! هل تذكر ذلك الشاب الذي يتجول بسيارته للذهاب إلى النساء لكي ينظر إليهن ويغمزهن، هل تذكر شهادة الأرض عليه؟ وهل تذكر ذلك الذي يسافر لتلك البلاد لكي يعصي الله عليها، ويقارف الفواحش والآثام؟ هل تذكر أن الأرض سوف تفضحه وتخبر عن سيئاته و آثامه؟

ويا ترى !!

أخي أتذكر لما كنت في ذلك المكان الذي تيسرت لك فيه المعصية وبدأت في فعلها؟! نعم إن الناس لم ينتبهوا لجريمتك ولم يشهدوا عليك ولكن الأرض التي فعلت تلك المعصية عليها سوف تشهد عليك !! نعم إنك غافل، ولكن الأرض لا تغفل ويا سبحان الله.

يا ترى !!

تلك الفتاة التي تتجول في الأسواق وتبرز جمالها ولباسها وتريد من الناس أن ينظروا لها !!

يا ترى !!

هل شعرت أن تلك الأرض سوف تخبر عنها وتكشف عن جرائمها وسيئاتها في يوم كان مقدار خمسين ألف سنة؟

هل علمت تلك المرأة التي تركب مع السائق بلا محرم أن الأرض سوف تفضحها يوم العرض على الله !

وأما الشاهد الثاني:

فهم الملائكة الذين يكتبون علينا أعمالنا، ويسجلون علينا سيئاتنا وحسناتنا، قال تعالى: وإن عليكم لحافظين (10) كراماً كاتبين (11) يعلمون ما تفعلون [الانفطار:10-12].

أيها الأخ الحبيب: أتذكر في تلك الليلة لما كنت أمام جهاز التلفاز وكنت تنظر إلى ما تبث القنوات من تلك الصور العارية؟ لعلك تذكرت ذلك الموقف.. هل كنت وحدك؟

إنك لو علمت أن الملائكة قد كتبوا عليك تلك المعصية لما فعلت. وهناك شاب آخر قد أخذ سماعة الهاتف ليعاكس الفتيات..

يا ترى!! هل علم بأن الملائكة الكاتبين قد سجلوا عليه سؤ عمله..!!

وتلك الفتاة التي سمعت الأذان ولكنها تساهلت في أداء الصلاة حتى خرج وقتها، ولم تصل تلك الصلاة؛ لأنها انشغلت بالمكالمة الهاتفية، أو لعلها كانت تشاهد الأفلام والقنوات... إنني أجزم أن تلك الفتاة غافلة عن شهادة الملائكة، وأنهم يكتبون عليها أعمالها، وأقول لأولئك المفسدين من العلمانيين والكتاب المنافقين: إن ما تقولونه وتكتبونه سترونه في كتابكم يوم القيامة؛ لأن الملائكة الكاتبين قد كتبوا أقوالكم وأعمالكم، قال تعالى: أم يحسبون أنا لا نسمع سرهم ونجواهم بلى ورسلنا لديهم يكتبون [الزخرف:80].

وبعد تلك الكتابة من الملائكة، يا ترى ماذا سيجري بعد ذلك؟

عندما تموت سيطوى كتابك، ولكنك سوف تلتقي معه عندما تخرج من قبرك، وسوف تعطى هذا الكتاب الذي كتبته عليك الملائكة في الدنيا، وسوف يأمرك الله جل وعلا بأن تقرأه عندما تقف بين يديه قال تعالى: ونخرج له يوم القيمة كتاباً يلقاه منشوراً (13) اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيباً [الإسراء:14،13].

إنها لحظة عجيبة، إنها ساعة حرجة عندما يقف العبد حافياً عارياً أمام الجبار جلّ جلاله ومع العبد كتاب، وهذا الكتاب هو ديوان الحسنات والسيئات، فما هو شعورك يا من كان ليله في السهر على القنوات ونهاره في النوم عن الصلوات؟ ما حالك يا عبد الله عندما ترى سيئاتك في ذلك الكتاب؟

ويا ليت الأمر ينتهي عند مجرد رؤيتك له بل تؤمر بقراءته.. فماذا ستقرأ وماذا ستجد؟ ماذا ستقرأ يا شارب الدخان؟ ماذا ستقرأ يا من عق والديه؟ وماذا ستقرأ يا من أهمل تربية أبناءه؟

ماذا ستقرأ يا آكل الربا؟ قال تعالى: يوم ينظر المرء ما قدمت يداه [النبأ:40].

وأقول لتلـك الفتاة التي غفلـت عن ربهـا وأعرضت عن طاعة مولاها: ماذا ستجدين في ذلك الكتاب الذي لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها [الكهف:49].

يا أختاه: ستقرئين أعمالك هنالك فماذا ستقرئين؟ أما لباسك فحرام، أما وقتك فضياع في الآثام.

يا أختاه: الأمر خطير، فمتى ستحذرين؟

أوصيك أن تحفظي هذه الآية: ووجدوا ما عملوا حاضراً ولا يظلم ربك أحداً [الكهف:49].

وأما الشاهد الثالث: فهي الجوارح التي هي من نعم الله علينا: اليدان، والقدمان، واللسان، والعينان، والأذنان، بل وسائر الجلود.. ستأتي يوم القيامة لتشهد عليك يا عبد الله، وستشهد عليك يا أختاه..

إنه مشهد لا مثيل له يقف العبد أمام ربه ويبدأ الحساب، ثم تبدأ الجوارح لتكشف الأسرار ولتخبر بالفضائح والجرائم التي فعلتها في أيامك السابقة اليوم نختم على أفواههم [يس:65] وبعد ذلك ماذا يجري وتكلمنا أيديهم . وهل يقف الحد عند ذلك؟ لا، بل تشهد أرجلهم بما كانوا يكسبون [يس:65].

فيا حسرتاه..

عندما تنطق اليدان وتخبر عنك أيها الإنسان وتقول يا رب: بيده اشترى المجلات الماجنة، بيده حرك (ريموت) القنوات الفضائية. يا رب بيده لمس المرأة الأجنبية، ورفع السماعة لمعاكسات الفتيات. يا رب بيده شرب الدخان والشيشة والمخدارت، بيده تعاطى الخمر والمسكرات.

وتلك الفتاة تنطق يداها، فما عساها تقول.. !! يا رب بيدها لبست العباءة الضيقة وبيدها وضعت المكياج والعطور لكي تمر بها أمام الرجال، إنه يوم الفضائح وتتكلم القدمان: أنا للحرام ذهبت، وعن الصلاة قعدت، وإلى بلاد الحرام مشيت... يومئذ تعرضون لا تخفى منكم خافية [الحاقة:18].

وإن الأمر يزداد حرجاً وشدة عندما تنطق سائر الجلود حتى إذا ما جاءوها شهد عليهم سمعهم وأبصارهم وجلودهم بما كانوا يعملون [فصلت:20].

وكأني بذلك الشاب يقف متعجباً وهو يرى العين تشهد عليه بكل نظرة سيئة، إنه متعجب وهو يسمع شهادة الأذنين بكل أغنية وفاحشة استمع إليها..

وبعد ذلك يحصل الأمر الغريب يخاطب المرء جوارحه وقالوا لجلودهم لم شهدتم علينا [فصلت:21].

لمَ يا عين تشهدين؟!! لمَ يا سمع تشهد؟!! لمَ يا قدم تتكلمين؟!! ولكن الجواب أعظم قالوا أنطقنا الله الذي أنطق كل شيء [فصلت:21].

وينتهي ذلك المشهد العجيب..

ولكن يا ترى !! ما حالك هناك؟

وهل ستكون ممن شهدت له الجوارح بالطاعات، أم ستكون ممن تفضحه جوارحه أمام الله خالق الكائنات؟

وأخيراً يا ترى هل بقي أحد يشهد علينا؟

نعم إنه الواحد الأحد رب الشهود، إنه الواحد المعبود، أولم يكف بربك أنه على كل شئ شهيد [فصلت:53] الذي يراك أينما كنت ويعلم بحالك: إن الله لا يخفى عليه شئ في الأرض ولا في السماء [آل عمران:5].

فسبحان العليم بعباده وهو معكم أين ما كنتم [الحديد:51].

فسبحان الذي لا تخفى عليه خافية والله يعلم ما فى قلوبكم [الأحزاب:51].

فسبحان من يعلم ما في الصدور. والله إن من أكبر أسباب ضعفنا وتقصيرنا هو ( الغفلة عن مراقبة الله تعالى ). وإلا فلو أن العبد الذي يخلو بذنوبه، ويبتعد عن الناس لكي لا يروه، لو يعلم ذلك بعلم الله به ورؤيته له لما فعل تلك الفعلة السيئة. ولكنه غفل عن الله، فتمادى في الشهوات ألم يعلم بأن الله يرى [العلق:14].

وذلك الشاب الذي يعاكس الفتيات لو تذكر وهو في حديثه مع تلك الفتاة، لو تذكر هذه الآية والله يسمع تحاوركما [المجادلة:1]. لترك المعاكسات والشهوات. إن الواحد منا لو يعلم أن أحداً من الناس علم بذنب من ذنوبه لأصابه الخجل والحياء، ولكن أين الحياء من الله تعالى؟

وأقول لتلك الأخت المؤمنة قبل أن تلبس ذلك اللباس المحرم لتفتن الشباب: تذكري أن الجبار الذي على العرش استوى يراك ويعلم بما تفعلين، وهو عليم بذات الصدور.

فإلى كل مؤمن ومؤمنة تذكروا أن من أسماء الله: العليم، البصير، الشهيد، الخبير، المحيط، السميع، وكلها توجب مراقبة الله في كل حين، فيا من يسافر للعصيان تذكر نظر الواحد المنان، ويا من يتمتع بالنظر الحرام، أنسيت رؤية الملك العلام؟ ويا من يسهر على الآثام، إن الله يراك ويعلم بحالك.. فأين ستذهب؟!!

وأخيراً: متى نحذر من شهادة الشهود؟

إن الأمر خطير، ويوم العرض عسير، وهناك تبدو الأسرار، وتنكشف الفضائح.

وأسأل الله لي ولكم التوفيق لكل خير، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.

من أحق أن تستحي منه؟

أخي كثيراً ما يتجرأ الإنسان إذا كان وحيداً غائباً عن أعين الناس على أمور لا يتجرأ عليها أمامهم.

فهل ما تفعله وحدك تستطيع أن تفعله أمام الناس؟

أمام آلات التصوير...؟

أمام آلات تصوير الفيديو...؟

لاشك أنك توافقني أن الإجابة التي تصلح لكل تلك الأسئلة دون تردد "لا". لم ذلك؟

لأنه الحياء، إذا كان الحياء يمنعك عن ذلك أليس أولى من تستحي منه هو الله الذي يعلم السر وأخفى... يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ [غافر:19].

جيل لن يتكرر

أتى شابّان إلى عمر وكان في المجلس، وهما يقودان رجلاً من البادية فأوقفوه أمام عمر بن الخطاب قال عمر: ما هذا، قالوا: يا أمير المؤمنين، هذا قتل أبانا، قال: أقتلت أباهم؟ قال: نعم قتلته، قال كيف قتلتَه؟

قال دخل بجمله في أرضي، فزجرته، فلم ينزجر، فارسلت عليه حجراً، وقع على رأسه فمات.

قال عمر: القصاص.. الإعدام.. قرار لم يكتب. وحكم سديد لا يحتاج مناقشة، لم يسأل عمر عن أسرة هذا الرجل، هل هو من قبيلة شريفة؟ هل هو من أسرة قوية؟ ما مركزه في المجتمع؟ كل هذا لا يهم عمر لأنه لا يحابي أحداً في دين الله، ولا يجامل أحداً على حساب شرع الله، ولو كان ابنه القاتل، لاقتص منه، وقد جلد ابناً له في بعض الأمور.

قال الرجل: يا أمير المؤمنين: أسألك بالذي قامت به السماوات والأرض، أن تتركني ليلة؛ لأذهب إلى زوجتي وأطفالي في البادية، فأُخبِرُهم بأنك سوف تقتلني، ثم أعود إليك، والله ليس لهم عائل إلا الله ثم أنا، قال عمر: من يكفلك أن تذهب إلى البادية، ثم تعود إليَّ، فسكت الناس جميعاً، إنهم لا يعرفون اسمه، ولا خيمته، ولا داره، ولا قبيلته، ولا منزله، فكيف يكفلونه، وهي كفالة ليست على عشرة دنانير، ولا على أرض، ولا على ناقة، إنها كفالة على الرقبة أن تُقطع بالسيف.

ومن يعترض على عمر في تطبيق شرع الله؟ ومن يشفع عنده؟ ومن يمكن أن يُفكر في وساطة لديه؟ فسكت الصحابة، وعمر مُتأثر، لأنه وقع في حيرة، هل يُقدم فيقتل هذا الرجل، وأطفاله يموتون جوعاً هناك، أو يتركه فيذهب بلا كفالة، فيضيع دم المقتول، وسكت الناس، ونكّس عمر رأسه، والتفت إلى الشابين، أتعفوان عنه؟ قالا: لا، من قتل أبانا لا بد أن يُقتل يا أمير المؤمنين، قال عمر: من يكفل هذا أيها الناس، فقام أبو ذر الغفاريّ بشيبته وزهده، وصدقه، قال: يا أمير المؤمنين، أنا أكفله، قال عمر: هو قَتْل، قال: ولو كان قتلاً، قال: أتعرفه؟ قال: ما أعرفه، قال: كيف تكفله؟ قال: رأيت فيه سِمات المؤمنين، فعلمت أنه لم يكذب، وسيأتي إن شاء الله، قال عمر: يا أبا ذرّ، أتظن أنه لو تأخر بعد ثلاث أني تاركك ! قال: الله المستعان يا أمير المؤمنين، فذهب الرجل، وأعطاه عمر ثلاث ليالٍ؛ يُهيئ فيها نفسه، ويُودع أطفاله وأهله، وينظر في أمرهم بعده، ثم يأتي، ليقتص منه لأنه قتل.

وبعد ثلاث ليالٍ لم ينس عمر الموعد، يَعُدّ الأيام عداً، وفي العصر نادى في المدينة: الصلاة جامعة، فجاء الشابان، واجتمع الناس، وأتى أبو ذر، وجلس أمام عمر، قال عمر: أين الرجل؟ قال: ما أدري يا أمير المؤمنين، وتلفَّت أبو ذر إلى الشمس، وكأنها تمر سريعة على غير عادتها، وسكت الصحابة واجمين، عليهم من التأثر مالا يعلمه إلا الله.

صحيح أن أبا ذرّ يسكن في قلب عمر، وأنه يقطع له من جسمه إذا أراد، لكن هذه شريعة، لكن هذا منهج، لكن هذه أحكام ربانية، لا يلعب بها اللاعبون، ولا تدخل في الأدراج لتُناقش صلاحيتها، ولا تنفذ في ظروف دون ظروف، وعلى أناس دون أناس، وفي مكان دون مكان.

وقبل الغروب بلحظات، وإذا بالرجل يأتي، فكبّر عمر، وكبّر المسلمون معه، فقال عمر: أيها الرجل أما إنك لو بقيت في باديتك، ما شعرنا بك، وما عرفنا مكانك، قال يا أمير المؤمنين، والله ما عليَّ منك ولكن عليَّ من الذي يعلم السرَّ وأخفى!!

ها أنا يا أمير المؤمنين، تركت أطفالي كفراخ الطير، لا ماء ولا شجر في البادية، وجئتُ لأُقتل، فوقف عمر وقال للشابين: ماذا تريان؟ قالا وهما يبكيان: عفونا عنه يا أمير المؤمنين لصدقه، قال عمر: الله أكبر، ودموعه تسيل على لحيته.

جزاكما الله خيراً أيها الشابان على عفوكما، وجزاك الله خيراً يا أبا ذرّ يوم فرّجت عن هذا الرجل كربته، وجزاك الله خيراً أيها الرجل لصدقك ووفائك، وجزاك الله خيراً يا أمير المؤمنين لعدلك ورحمتك.

لماذا لا يستجيب الله لكم؟

سئل إبراهيم بن أدهم رحمه الله تعالى عن قوله تعالى: ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ [غافر:60]، فقالوا: فإنا ندعوه فلا يستجيب لنا.

فقال: لأن قلوبكم ماتت بعشرة أشياء:

- عرفتم الله ولم تؤدوا حقه.

- وقرأتم كتاب الله ولم تعملوا به.

- وادعيتم عداوة الشيطان وواليتموه.

- وادعيتم حب الرسول صلى الله عليم وسلم وتركتم أثره وسنته.

- وادعيتم حب الجنة ولم تعملوا لها.

- وادعيتم خوف النار ولم تنتهوا عن الذنوب.

- وادعيتم أن الموت حق ولم تستعدوا له.

- واشتغلتم بعيوب غيركم وتركتم عيوب أنفسكم.

- وتأكلون رزق الله ولا تشكرونه.

- وتدفنون موتاكم ولا تعتبرون.!

ليلة القدر

الحمد لله رب العالمين، مفضل الأماكن والأزمان على بعضها بعضاً، الذي أنزل القرآن في الليلة المباركة، والصلاة والسلام على من شد المئزر في تلك الليالي العظيمة المباركة، نبينا محمد وعلى آله وصحبه الغر الميامين.. أما بعد:

لقد اختصّ الله تبارك وتعالى هذه الأمة المحمدية على غيرها من الأمم بخصائص، وفضّلها على غيرها من الأمم بأن أرسل إليها الرسل والأنبياء وخاتمهم وآخرهم، وجعلها خير الأمم قال تعالى: كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ [آل عمران:110].

وقد أنزل لهذه الأمة الكتاب المبين، والصراط المستقيم، كتاب الله العظيم، كلام رب العالمين، قال تعالى: إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون [الحجر]. وقال تعالى: لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد [فصلت].

فقد أنزل الله عز وجل القرآن الكريم في ليلة مباركة هي خير الليالي، ليلة اختصها الله عز وجل من بين الليالي، ليلة العبادة فيها هي خير من عبادة ألف شهر، وهي ثلاث وثمانون سنة وأربعة أشهر.. ألا وهي ليلة القدر مبيناً لنا إياها في سورتين قال تعالى في سورة القدر: إنا أنزلناهُ في ليلةِ القدر (1) وما أدراكَ ما ليلةُ القدر (2) ليلةُ القدرِ خيرٌ من ألفِ شهر (3) تَنَزلُ الملائكة والروح فيها بإذن ربهم من كلِ أمر (4) سلامٌ هي حتى مطلع الفجر [القدر].

وقال تعالى في سورة الدخان: إنا أنزلناهُ في ليلةٍ مباركةٍ إنا كنا مُنذٍرين (3) فيها يُفرَقُ كلُ أمرٍ حكيم ، وسميت بليلة القدر لعظم قدرها وفضلها عند الله تبارك وتعالى، ولأنه يقدر فيها ما يكون في العام من الآجال والأرزاق وغير ذلك، كما قال تعالى: فيها يفرق كل أمر حكيم [الدخان].


سبب تسميتها بليلة القدر
قال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله تعالى في الشرح الممتع 6494 ما نصه: (أولاً: أنه يقدر فيها ما يكون في تلك السنة، فيكتب فيها ما سيجري في ذلك العام، وهذا من حكمة الله عز وجل وبيان اتقان صنعه وخلقه..

ثانياً: سميت ليلة القدر من القدر وهو الشرف كما تقول فلان ذو قدر عظيم، أي ذو شرف لقوله تعالى: وما أدراك ما ليلة القدر ليلة القدر خير من ألف شهر [القدر] وليلة خير من ألف شهر قدرها عظيم ولا شك.

ثالثاً: وقيل لأن للعبادة فيها قدر عظيم لقول النبي : { من قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه } [متفق عليه]. وهذا لا يحصل إلا لهذه الليلة فقط، فلو أن الإنسان قام ليلة النصف من شعبان، أو ليلة النصف من رجب، أو ليلة النصف من أي شهر، أو في أية ليلة لم يحصل له هذا الأجر ).

وقال الشيخ رحمه الله تعالى: ( إن الإنسان ينال أجرها وإن لم يعلم بها، لأن النبي قال: { من قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً } ولم يكن عالماً بها، ولو كان العلم شرطاً في حصول هذا الثواب لبيّنه الرسول ). أ هـ.


علامات ليلة القدر

ذكر الشيخ بن عثيمين رحمه الله أن لليلة القدر علامات مقارنة وعلامات متابعة:

العلامات المقارنة

1- قوة الإضاءة والنور في تلك الليلة، وهذه العلامة في الوقت الحاضر لا يحس بها إلا من كان في البر بعيداً عن الأنوار.

2- زيادة النور في تلك الليلة.

3- الطمأنينة، أي طمأنينة القلب، وانشراح الصدر من المؤمن، فإنه يجد راحة وطمأنينة وانشراح صدر في تلك الليلة أكثر من مما يجده في بقية الليالي.

4- أن الرياح تكون فيها ساكنة أي لا تأتي فيها عواصف أو قواصف، بل يكون الجو مناسباً.

5- أنه قد يُري الله الإنسان الليلة في المنام، كما حصل ذلك لبعض الصحابة رضي الله عنهم.

6- أن الانسان يجد في القيام لذة أكثر مما في غيرها من الليالي.

العلامات اللاحقة

أن الشمس تطلع في صبيحتها ليس لها شعاع، صافية ليست كعادتها في بقية الأيام، ويدل لذلك حديث أبي بن كعب أنه قال: أخبرنا رسول الله : { أنها تطلع يومئذ ٍ لا شعاع لها } [رواه مسلم].

وليلة رمضان ليلة مباركة، وهي في ليالي شهر رمضان، ويمكن التماسها في العشر الأواخر منه، وفي الأوتار خاصة، وأرجى ليلة يمكن أن تكون فيها هي ليلة السابع والعشرين من شهر رمضان، فكان أبي بن كعب يقول: ( والله إني لأعلم أي ليلة هي، هي الليلة التي أمرنا رسول الله بقيامها، وهي ليلة سبع وعشرين ) [مسلم].

وقد كان النبي يتحرى ليلة القدر، ويأمر أصحابه بتحريها، وكان يوقظ أهله في ليالي العشر الأواخر من رمضان رجاء أن يدركوا ليلة القدر، وكان يشد المئزر وذلك كناية عن جده واجتهاده عليه الصلاة والسلام في العبادة في تلك الليالي، واعتزاله النساء فيها، وورد عن بعض السلف الاغتسال والتطيب في ليالي العشر تحرياً لليلة القدر التي شرفها الله ورفع قدرها.

ولهذا ينبغي أن يتحرها المؤمن في كل ليالي العشر عملاً بقوله : { التمسوا ليلة القدر في العشر الأواخر من رمضان } [متفق عليه]، وقد أخفى الله عز وجل علمها حتى يجتهد الناس في العبادة في تلك الليالي، ويجدوا في طلبها بغية الحصول عليها، فيظنون أنها في كل ليلة، فترى الكثير من الناس في تلك الليالي المباركة بين ساجد وقائم وداع وباك، فاللهم وفقنا لقيام ليلة القدر، واجعلها لنا خيراً من ألف شهر، فالناس بقيامهم تلك الليالي يثابون بإذن الله تعالى على قيامهم كل ليلة، كيف لا وهم يرجون ليلة القدر أن تكون في كل ليلة، ولهذا كان من سنة النبي الاعتكاف في ليالي العشر من رمضان.

وليلة القدر لا تختص بليلة معينة في جميع الأعوام بل هي تنتقل، أي قد تكون في عام ليلة خمس وعشرين، وفي عام آخر ليلة ثلاث وعشرين وهكذا فهي غير ثابتة بليلة معينة في كل عام.


فضائل ليلة القدر

1 - أنها ليلة أنزل الله فيها القرآن، قال تعالى: إنا أنزلناه في ليلة القدر .

2 - أنها ليلة مباركة، قال تعالى: إنا أنزلناه في ليلة مباركة .

3 - يكتب الله تعالى فيها الآجال والأرزاق خلال العام، قال تعالى: فيها يفرق كل أمر حكيم .

4 - فضل العبادة فيها عن غيرها من الليالي، قال تعالى: ليلة القدر خير من ألف شهر .

5 - تنزل الملائكة فيها إلى الأرض بالخير والبركة والرحمة والمغفرة، قال تعالى: تنزل الملائكة والروح فيها بإذن ربهم من كل أمر .

6 - ليلة خالية من الشر والأذى وتكثر فيها الطاعة وأعمال الخير والبر، وتكثر فيها السلامة من العذاب ولا يخلص الشيطان فيها إلى ما كان يخلص في غيرها فهي سلام كلها، قال تعالى: سلام هي حتى مطلع الفجر .

7 - فيها غفران للذنوب لمن قامها واحتسب في ذلك الأجر عند الله عز وجل، قال : { من قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه } [متفق عليه].

فليلة هذه فضائلها وخصائصها وهباتها، ينبغي علينا أن نجتهد فيها ونكثر من الدعاء والاستغفار والأعمال الصالحة، فإنها فرصة العمر، والفرص لا تدوم، فأي فضل أعظم من هذا الفضل لمن وفقه الله، فاحرصوا رحمكم الله على طلب هذه الليلة واجتهدوا بالأعمال الصالحة لتفوزوا بثوابها فإن المحروم من حُرم الثواب، ومن تمر عليه مواسم المغفرة ويبقى محملا بذنوبه بسبب غفلته وإعراضه وعدم مبالاته فإنه محروم، أيها العاصي تب الى الله واسأله المغفرة فقد فتح لك باب التوبة، ودعاك إليها وجعل لك مواسم للخير تضاعف فيها الحسنات وتمحى فيها السيئات فخذ لنفسك بأسباب النجاة.

اللهم اجعلنا ممن وفق لقيام ليلة القدر، فأجزلت له المثوبة والأجر، وغفرت له الزلل والوزر، اللهم اغفر لنا ما قدمنا وما أخرنا، وما أعلنا وما أسررنا، وما أنت أعلم به منا، برحمتك يا عزيز يا غفار، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

ومضى رمضان وكيف حالنا

الحمد لله على ما وفق من الطاعات وذاد من المعصية، ونسأله لمنته تماما وبحبله اعتصاما نحمده على ما كان ونستعينه من أمرنا على ما يكون، ونسأله المعافاة في الدين والبدن والصلاة والسلام على من بلغ الرسالة وأدى الأمانة ونصح الأمة وعلى آله وصحبه وسلم وبعد:

فإن شعور المسلم بالاستبشار والغبطة حينما يرى إقبال الناس على الله في رمضان وما يقلبه من بصره هنا وهناك تجاه أوجه البر والإحسان لدى الكثير من أهل الإسلام ليأخذ العجب بلبه كل مأخذ، ولربما غلب السرور مآقي المترقب، فهتن دمع الفرح والإعجاب لما يرى ويشاهد إلا أن العيد وما يعقبه ليصدق ذلك الظن أو يكذبه ومن ثم ينكص المعجب وتشخص أحداقه لما يرى من مظاهر التراجع والكسل والفتور ومن ثم يوقن أنه إنما كان مستسمنا ذا ورم.

وإن من يقارن أحوال الناس في رمضان وبعد رمضان ليأخذ العجب من لبه كل مأخذ، حينما يرى مظاهر الكسل والفتور والتراجع عن الطاعة في صورة واضحة للعيان، و كأن لسان حالهم يحكي أن العبادة والتوبة وسائر الطاعات لا تكون إلا في رمضان، وما علموا أن الله سبحانه هو رب الشهور كلها وما شهر رمضان بالنسبة لغيره من الشهور إلا محط تزود وترويض على الطاعة والمصابرة عليها إلى حين بلوغ رمضان الآخر.

نعم رمضان ميزة وخصوصية في العبادة ليست في غيره من الشهور بيد أنه ليس هو محل الطاعة فحسب، ولذلك كان النبي جوادا في كل حياته غير أنه يزداد جوده إذا حل رمضان ناهيكم عن أن الرجوع والنكوص عن العمل الصالح هو مما استعاذ منه النبي بقوله فيما صح عنه: { وأعوذ بك من الحور بعد الكور } والله عز وجل يقول: وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِن بَعْدِ قُوَّةٍ أَنكَاثًا [النحل:92] إذ لم يقصر الخير على شهر رمضان فحسب بل إن هذا كله إنما استجابة لأمر ربه جل وعلا بقوله: وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ [الحجر:99]فلا منتهى للعبادة والتقرب إلى الله إلا بالموت.

وما يشاهده المرء في الأعياد في أقطار شتى من الفرح المشروع واللامشروع وتجاوز حدود الاعتدال فيه على هيئة وصورة تنفيان كونهم من الخائفين على رد الأعمال الصالحة أو من الشاكرين لبلوغ هذا العيد الذي أكرمهم الله به، ومن ثم فإن الحال على ما ذكر كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثا لأن النفس البشرية لو كان عندها شغل بالخالق لما أحبت المزاحمة بما يسخطه: إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِم مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُم [محمد:25]، ولو أنهم أحبوا الطاعة لما تخلوا عنها طرفة عين وقديما قيل: من عشق طريق اليمن لم يلتفت إلى الشام.

ألا فاعلموا - يا رعاكم الله - أن من قارب الفتور والكسل بعد عنه النصب والاجتهاد، ومن ادعى التراويح أو التسلية وكل إلى نفسه وإن من أحق الأشياء بالضبط والقهر والأطر على العبادة والاستقامة أطرا هي نفسك التي بين جنبيك.

فإياك إياك - أيها المسلم - أن تغتر على ترك الهوى في رمضان مقاربة الفتنة بعده فإن الهوى مكايد فكم من صنديد في غبار الحرب اغتيل فأتاه ما لم يحتسب ممن يأنف النظر إليه واذكر - حفظك الله - حمزة مع وحشي رضي الله عنهما.

من تعود الفتور والكسل أو مال إلأى الدعة والراحة فقد فقد الراحة وقد قيل في الحكمة: إن أردت ألا تتعب فاتعب لئلا تتعب ولا أدل على ذلك من وصية الباري جل وعلا لنبيه ومصطفاه : فَإِذَا فَرَغْتَ فَانصَبْ [الشرح:7]، لأن الكسل لم يؤد حقا ومن ضجر لم يصبر على الحق والكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني.

وليس في سياط التأديب للنفس أجود من سوط عزم، وإلا ونت وأبت، لأن فساد الأمر في التردد والنفس - عباد الله - من أعجب الأشياء مجاهدة لأن أقواما أطلقوها فيما تحب فأوقعتهم فيما كرهوا. وآخرين بالغوا في خلافها حتى منعوها حقها وإنما الحازم من تعلم منه نفسه الجد وحفظ الأصول، فإذا ما أفسح لها في مباح لم تتجاسر أن تتعداه لأن تفقد النفس حياة وإغفالها لون من ألأوان القتل صبرا


والنفس كالطفل إن تهمله شب على*** حب الرضاع وإن تفطمه ينفطم

إن الحياة الدنيا لا تخلو من عقوبة، ومن عاش لم يخل من المصيبة وقل ما ينفك عن عجيبة، وإن من أعظم العقوبات عباد الله عدم إحساس المعاقب بها، بل وأدهى من ذلك وأمر السرور بما هو عقوبة كالفرح بالتقصير بعد التمام، أو التمكن من الذنوب بعد الإقلاع عنها، ومن هذه حاله لا يفوز بطاعة ولو غشى نفسه بعبادات موسمية ذات خداج لوجد خفي العقوبة الرئيس وهو سلب حلاوة المناجاة أو لذة التعبد إلا رجال مؤمنون ونساء مؤمنات من عباد رب الشهور كلها بواطنهم كظواهرهم، شوالهم كرمضانهم. الناس في غفلاتهم وهم في قطع فلاتهم فأخلق بمدمن القرع منهم الأبواب أن يلج، لأنهم تغلبوا على طباعهم ذات الجواذب الكثيرة، ولذا فليس العجب أن يغلب الطبع وإنما العجب أن يغلب.

لقد خلق الإنسان في كبد، والمرء كادح إلى ربه كدحا فملاقيه، وإن من أعظم ما يعين النفس المسلمة على دوام الطاعة ألا تحمل من الأمر ما لا يطيق بل لابد لها من التلطف فإن قاطع مرحلتين في مرحلة خليق بأن يقف والطريق الشاق ينبغي أن يقطع بألطف ممكن ولا شك أن الرواحل إذا تعبت نهض الحادي ينشدها ولذا فإن أخذ الراحة للجد جد وغوص البحار في طلب الدر صعود، ومن أراد أن يرى التلطف بالنفس فليداوم النظر في سيرة النبي وليستمع إلى قوله: { إن هذا الدين متين فأوغلوا فيه برفق فإن المنبت لا أرضا قطع ولا ظهرا أبقى }.

وعند البخاري في صحيحه: أن النبي : { إن الدين يسر ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه }.

كثيرون هم أولئك الذين يشفقون من المتاعب وينفرون من الجهد والتكاليف وهم كذلك يتساقطون إعياء خلف صفوف الجادين ضعافا مسترخين يخذلون أنفسهم في ساعات الشدة: بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (16) وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى [الأعلى:16-17]. نعم إن هناك ضعفا في البشر ولا يملك الناس أن يتخلصوا منه وليس مطلوبا أن يتجاوزوا حدود بشريتهم، ولكن المطلوب أن يتمسكوا بالعروة الوثقى التي تشدهم إلى الله في كل حين وتجعل من التدين في جميع جوانب الحياة عندهم ثقافة وأسرة وإعلاما من الثوابت التي لا تتغير ولا تخدع بها النفس في موسم ما دون غيره، كما أنهم تمنعهم في الوقت نفسه بأذن الله من التساقط وتحرسهم من الفترة بعد الشرة مهما قلت ما دامت على الدوام فرسول الله يقول: { يا أيها الناس خذوا من الأعمال ما تطيقون فإن الله لايمل حتى تملوا وإن أحب الأعمال إلى الله مادام وإن قل }.

ولاجرم أن نشير هاهنا إلى التحرر من الغلو والتشدد لا يعني الترك والإهمال بل يعني التوسط والاعتدال مع محافظة المرء على ما اعتاده من عمل أو التزام في السلوك العام قال عبدالله بن عمرو بن العاص رضي اله عنهما: قال رسول الله لي: {يا عبدالله لا تكن مثل فلان كان يقوم الليل فترك قيام الليل }.

إن الانهماك المستمر في العبادة والإغلاق على حقوق النفس والأهلين يعد إفراطا مذموما، ليس من هدي سيد المرسلين و أعبد الناس لرب العالمين بل كونه سببا في التراجع والنكوص، كما أن الأمر في الوقت نفسه إن كان تقاصرا عن العبادة أو انشغالا عنها أو تركا للحبل على الغارب مجانبة للتصحيح أو الارتقاء بالحال على ما يريده الله ورسوله يعد تفريطا ممقوتا وكلا طرفي قصد الأمور ذميم ويمثل ذلك تضييع المجتمعات المسلمة بين إفراط وتفريط ناشئين عن جهل وضلال كما قال علي رضي الله عنه: " لا يرى الجاهل إلا مفرطا " ولفظ الإفراط والتفريط - عباد الله - لم يأت في القرآن على سبيل المدح إلا في نفيه عن كل صالح أو مصلح يقول سبحانه عن الملائكة: حَتَّىَ إِذَا جَاء أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لاَ يُفَرِّطُونَ [الأنعام:61]. وقال عن موسى وهارون: قَالَا رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَن يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَن يَطْغَى [طه:45] ويقول سبحانه عن أهل النار: قَالُواْ يَا حَسْرَتَنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا [الأنعام:31] وقال جل شأنه: وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا [الكهف:28].

والمراد هنا عباد الله: أن يتماسك المرء المسلم و المجتمعات المسلمة، فيكون لهم من صلابة عودهم الإسلامي وحسه ما يحول بينهم وبين الفور والضعف والتراجع عن الدين أو التخاذل عنه، وإذا ما بدت هفوة أو غفلة سارعوا بالتيقظ ومعاودة التمسك والاستجابة لكل ناصح مشفق، وهذا هو التوسط المحمود الذي اختصت به هذه الأمة من بين سائر الأمم.


فلا هو في الدنيا مضيع نصيبه *** ولا عرض الدنيا عن الدين شاغله

فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَن تَابَ مَعَكَ وَلاَ تَطْغَوْاْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ [هود:112]. والطغيان هنا هو ما تجاوز الحد في الأخذ أو الترك.

أيها المسلمون: كثيرا ما يناجي المرء نفسه ماذا وكم عملت وقليلا ما يسائل نفسه ويبلوها كيف كان عملي؟ وما مدى قربه أو بعده من الله؟ وما درجة المداومة عليه وعدم الفتور عنه أو الإعياء بحمله؟ وما ذاك عباد الله إلا من جهل المرء بنفسه وتقصيره في معرفة حقيقة العبادة التي يريد الله منه في قوله: وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ [الحجر:99]. إن البقاء على الطاعة في كل حين أو التهاون عنها كرات ومرات ليعودان في المرد بإذن الله إلى القلب وهو أكثر الجوارح تقلبا في الأحوال حتى قال فيه المصطفى : { إنما سمي القلب من تقلبه إنما مثل القلب كمثل ريشة في أصل شجرة يقلبها الريح ظهرا على بطن }.

و لأجل ذا كان من دعائه : «يامقلب القلوب ثبت قلبي على دينك» وسئل عن ذلك فقال: { إنه ليس آدمي إلا وقلبه بين أصبعين من أصابع الله فمن شاء أقام ومن شاء أزاغ }.

إن استدامة الطاعة والمداومة على الأ‘مال الصالحة لهي في الحقيقة من عوامل الثبات على دين الله وشرعه إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ [الأحقاف:13]، ألا وإن ترك المحرمات والعمل بما يوعظ به المرء من قبل خالقه ومولاه لأمر يحتاج إلى ترويض ومجاهدة من أجل الحصول على العاقبة الحميدة وحسن المغبة: وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُواْ مِن دِيَارِكُم مَّا فَعَلُوهُ إِلاَّ قَلِيلٌ مِّنْهُمْ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُواْ مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا (66) وَإِذاً لَّآتَيْنَاهُم مِّن لَّدُنَّا أَجْراً عَظِيمًا [النساء:66-67] والتثبيت عباد الله يكون في الحياة الدنيا على الخير والعمل الصالح وفي الآخرة يكون تثبيتا في البرزخ وعند السؤال يُثَبِّتُ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللّهُ مَا يَشَاء [ابراهيم:27].

فيا أهل التوبة: استيقظوا ولا ترجعوا بعد رمضان إلى ارتضاع ثدي الهوى من بعد الفطام فالرضاع إنما يصلح الطفل الذين لم يظهروا على عورات النساء لا للرجال، وعليكم بالصبر على مرارة الفطام لتعتاضوا عن لذة الهوى بحلاوة الإيمان في قلوبكم ومن ترك شيئا لله عوضه الله بخير منه يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّمَن فِي أَيْدِيكُم مِّنَ الأَسْرَى إِن يَعْلَمِ اللّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِّمَّا أُخِذَ مِنكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ [الأنفال:70].

ذنب واحد بعد التوبة أقبح من كذا ذنب قبلها النكسة أصعب من المرض وربما أهلكت، فسلوا الله الثبات على الطاعات إلى الممات، وتعوذوا بالله من تقلب القلوب ومن الحور بعد الكور، فما أوحش ذل المعصية بعد عز الطاعة وأفحش فقر الطمع بعد غنى القناعة.

ذكر عند النبي قوم يجتهدون في العبادة اجتهادا شديدا فقال: { تلك ضرورة الإسلام وشرته ولكل عمل شرة فمن كانت فترته إلى اقتصاد فنعما هو من كانت فترته إلى المعاصي فأولئك هم الهالكون }.

ومعنى الحديث - عباد الله -: أن لكل عمل قوة وشدة يتبعها فتور وكسل، ولكن الناس يختلفون في هذا الفتور، فمنهم من يبقى على السنة والمحافظة عليها ولو كانت قليلة ومنهم من يدعها ويتجاوزها إلى ما يغضب الله، وبنحو هذا يقول ابن القيم رحمه الله: ( تخلل الفترات للعباد أمر لابد منه فمن كانت فترته إلى مقاربة وتسديد ولم تخرجه من فرض ولم تدخله في محرم رجي له أن يعود خيرا مما كان ). ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ [فاطر:32].

وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم

وقفات عند رحيل رمضان

الحمد للّه شكراً، والشكر له ذكراً، وأشهد ألا إله إلا اللّه وحده لا شريك له غمراً. شهادة ترفع صاحبها قدراً، وتعظم له أجراً، وتحط عنه وزراً، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله براً. أرسله للثقلين بشرى، تتراً، ورضي عن أصحابه دهراً، جمعنا الله بهم طُراً، وحشرنا معهم غُراً. أما بعد:

فإن فراق شهر رمضان المبارك لمن أصعب الأمور على النفس المؤمنة، ولولا أن هذا الشهر يعود ويتكرر لانصدعت له قلوبهم صدعاً لا يلأم، ولكن عزاءهم أنه فراق بعد لقاء. إن شاء الله. والمهم على فراق هذا الشهر لأمرين:

الأول: حزن على فراق تلك النفحات الربانية التي لا تتجلى إلا في هذا الشهر المبارك. مع همة جادة في الطاعة، والإقبال على المولى سبحانه بأنواع من القربات و العبادات قلما تجتمع في غيره.

الثاني: خوف من عدم قبول تلك الأعمال التي جدوا فيها. وشمروا لها سواعدهم، يدفعه أمل في المولى الكريم أن يقبل منهم ما قدموه من قليل خدمتهم في مقابل كثير نعمه التي أنعم بها عليهم فاسمع لسان حالهم يردد:


سلام من الرحمن كل أوان *** على خير شهر قد مضى وزمان


سلام على شهر الصيام فإنه *** أمان من الرحمن كل أمان


لئن فنيت أيامك الغر بغته *** فما الحزن من قلبي عليك بفان

ودعنا نقف أخي الحبيب بعض الوقفات وتحن نودع هذا الشهر المبارك عسى الله أن ينفع بها وأن يجعلها لي ولك ذخراً في صالح أعمالنا إنه سميع قريب.


الوقفة الأولى: تذكر قبل أن تودع الشهر

تذكر أخي الحبيب أن سلفنا الصالح عليهم من الله أزكى الرحمات قد جعلوا شهورهم كلها رمضان؛ فما كان دخوله يزيدهم طاعة، وما كان خروجه ينقصهم إحساناً، فهل نعقد العزم على أن نحول السنه كلها إلى رمضان؟ قل:إن شاء الله.

وتذكر أننا قد اعتدنا في هذا الشهر الكريم على الكثير من الخير، وكففنا عن كثير من الشر، ترى!! هل سنستمر على ما اعتدنا عليه من محافظة على صلاة الجماعة؟ - خصوصاً صلاة الفجر وملازمة لكتاب الله؟ فهذا الميزان لقبول الأعمال والتوبة. قال الله تعالى: وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْواهُمْ [محمد:17]؛ فإن كنا قد اهتدينا فسيزيدنا الله هدى.

وتذكر يا من عرفت الله في رمضان أن رب رمضان هو رب رجب وشعبان. فمن كان يعبد رمضان فإن رمضان قد آذن برحيل. ومن كان يعبد الله فإن الله دائم لا يحول.

وتذكر أنك قد عاهدت ربك في هذا الشهر العظيم على التزام الطاعة. والإقلاع عن المعصية وقد قال في محكم كتابه وَمِنْهُم مَّنْ عَاهَدَ اللّهَ لَئِنْ آتَانَا مِن فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ (75) فَلَمَّا آتَاهُم مِّن فَضْلِهِ بَخِلُواْ بِهِ وَتَوَلَّواْ وَّهُم مُّعْرِضُونَ (76) فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقاً فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُواْ اللّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُواْ يَكْذِبُونَ [التوبة:75-77]. وقال عز من قائل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ (2) كَبُرَ مَقْتاً عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ [الصف:3،2] فتعوذ بالله من توبة الكذابين.

وتذكر أن شهر رمضان وإن كان شهر التوبة والإقلاع فإن باب التوبة مفتوح طول العام، يقول الحق سبحانه: أَلَمْ يَعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ وَأَنَّ اللّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ [التوبة:104]. ويقول: وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ [الشورى:25] فهو سبحانه كل وقت غافر للذنب، قابل للتوب. كما أنه شديد العقاب.

وتذكر أن شهر رمضان وإن كان فرصة للعبادة والتقرب إلى المولى سبحانه. فإن فرصة العبادة باقية لم تنته بعد.

فلئن كان الصيام من أخص خصائص هذا الشهر إلا أن الصيام سوف يبقي محبوباً مطلوباً في سائر شهور العام. بل هناك من الصيام ما هو كالمتمم لصيام رمضان كما سنعلم قريباً - إن شاء الله - وأين أنت من صيام الإثنين والخميس من كل أسبوع وصيام ثلاية أيام من كل شهر، وصوم أيام العشر. وشهر الله المحرم، و.....

ولئن ذهبت مع رمضان صلاة التراويح لكن الصلاة على الدوام صلة وشيجة بين العبد وربه لا يفنيها انقضاء شهر أو مرور دهر. ولن تسجد لله سجدة إلا رفعك بها درجة وحط عنك بها خطيئة. بلُه صلاة الليل التي هي شعار المتقين، ودأب الصالحين وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَّكَ عَسَى أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَّحْمُوداً [الإسراء:79] وهذا مطلق غير مقيد برمضان ولا غيره. ولا تفوتك السنن الرواتب. وصلاة الضحى. وركعتي الوض، وتحية المسجد....، باب خير لا ينقطع وفضل لا حد له لأهل الهمم العالية.

وإن كان الدعاء قد كثر في شهر رمضان غير أن الله يستجيب دعاء من دعاه في أي زمان وأي مكان متي استجمع شروطه. وانتفت عنه موانعه، يقول السميع العليم سبحانه: وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ [غافر:60]. عن أبي أمامة الباهلي قال: قيل يارسول الله، أي الدعاء أسمع؟ قال: { جوف الليل الآخر وأدبار الصلوات المكتوبات } [رواه الترمذي].

والزكاة فريضة ليست مربوطة برمضان. بل مدارها على انقضاء الحول فمتى حال الحول على مال بلغ النصاب وجبت زكاته سواء كان في رمضان أو في غيره.

والصدقة قربة تطفيء الخطيئة وتنمي المال دائماً وأبداً [ ما من يوم يصبح فيه العباد إلا وملكان ينزلان يقول أحدهما اللهم أعط منفقاً خلفاً. ويقول الآخر اللهم أعط ممسكاً تلفاً } فلا تحصر صدقاتك في رمضان وتحرم نفسك من الأجر بقية العام.

ومتى كنا جادين في دعوانا يسرنا لليسرى. وفتح لنا من أبواب الخير ما لم نحسب له حساباً، حتى نكون - إن شاء الله - من الذين عناهم المولى بقوله: أُوْلَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَنَتَجاوَزُ عَن سَيِّئَاتِهِمْ فِي أَصْحَابِ الْجَنَّةِ وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ [الأحقاف:16].


الوقفة الثانية: زكاة الفطر

عن عبدالله بن عمر رضي الله عنهما قال: { فرض رسول الله زكاة الفطر: صاعاً من تمر، أو صاعاً من شعير، عن كل عبد أو حر، صغير أو كبير } [رواه البخاري ومسلم].

وفي رواية للبخاري: { فرض رسول الله زكاة الفطر صاعاً من تمر، أو صاعاً من شعير، على الحر والعبد، والذكر والأنثى، والصغير والكبير من المسلمين، وأن تؤدى قبل خروج الناس إلى الصلاة }.

وعن عبدالله بن عمر رضي الله عنهما قال: { فرض رسول الله زكاة الفطر طهرة للصائم من اللغو والرفث، وطعمة للمساكين، من أداها قبل الصلاة فهي زكاة مقبولة، ومن أدها بعد الصلاة فهي صدقة من الصدقات } [رواه أبو داود بسند حسن].

ماذا نستخلص من أحاديث زكاة الفطر:

1) أنها فرض واجب، لا خيار ولا عذر في تركها.

2) أنها تجب على المسلمين جميعاً، أغنياء وفقراء، سادة وعبيداً، ذكوراً وإناثاً، صغاراً وكباراً، إلا الحمل فإنها تستحب عنه ولا تجب، جاء في حديث عبدالله بن ثعلبة ( أما غنيكم فيزكيه الله، وأما فقيركم فيرد الله عليه أكثر مما أعطى ) [رواه أبوداود بسند حسن].

3) أنها طعام، فلا تخرج النقود، لأنه نص على الطعام.

4) أن مقدارها صاع، والصاع كما قدر العلماء 2،25 كغم.

5) أنها تخرج من غالب قوت البلد، ففي الترمذي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن رسول الله { من قمح أوسواه، أوصاع من طعام }.

6) أنها تؤدي قبل خروج الناس إلى الصلاة، ولا يجوز تأخيرها عن ذلك لأنه قال: { ومن أداها بعد الصلاة فهي صدقة من الصدقات }. وأجاز العلماء تقديمها قبل العيد بيوم أو يومين.

7) الذي يفعله بعض الناس من وضع زكواتهم أمام باب المسجد من غير أن يفوضوا أحداً بتوزيعها خطأ بين. وأخشى ألا تبرأ ذمتهم بهذا العمل، لأنه لابد أن يتولي توزيعها بنفسه. أو يوكل من يثق به في توزيعها. أما وضعها أمام المسجد والانصراف من غير توكيل فهو خطأ قد لا تبرأ به الذمة.

8) وما يفعله بعض الناس من إخراج زكاة الفطر إلى الجيران يوم العيد مع عدم تسليمها للفقير إلا بعد يومين أوثلاثة، إنتظاراً لمن جرت العادة إعطاءه إياها فخطأ. بل إما تذهب له بهذه الزكاة، أو تعطيها من حضر من الفقراء.

9) تتولى بعض الجمعيات والهيئات الخيرية توزيع زكاة الفطر عنك. وتقبلها في وقتها الشرعي أو قبله بقليل فلا بأس من إعطائهم الزكاة ليتولوا بمعرفتهم توزيعها بعد توكيلهم، أو إعطائهم قيمتها بالشراء والتوزيع نيابة عنك.


الوقفة الثالثة: أعمال يوم العيد

التكبير المطلق: يقول الله تعالى وَلِتُكْمِلُواْ الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُواْ اللّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وفي البخاري من حديث أم عطية رضي الله عنها: ( فيكبرون بتكبيرهم، ويدعون بدعائهم ). وأخرج الدارقطني وغيره عن ابن عمر رضي الله عنهما ( أنه كان إذا غدا يوم الفطر ويوم الأضحى يجهر بالتكبير حتى يأتي المصلى ثم يكبر حتى يأتي الإمام ). وقال ابن أبي موسى: ( يكبر الناس في خروجهم من منازلهم لصلاتي العيدين جهراً، حتى يأتي الإمام المصلى فيكبر الناس بتكبيره في خطبته، وينصتون فيما سوى ذلك، وعليه عمل الناس ).

وصفة التكبير: كما روى الدارقطني وغيره عن جابر مرفوعاً: ( الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، الله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد ).

أكله قبل الخروج لصلاة العيد: عن بريدة قال: ( كان النبي لا يخرج حتى يفطر، ولا يطعم يوم النحر حتى يصلي ) [رواه أحمد والترمذي والحاكم بنحوه].

وفي الصحيح عن أنس قال: ( كان النبي لا يغدو يوم الفطر حتى يأكل تمرات، ويأكلها وتراً ) [رواه البخاري].

خروج النساء للصلاة: عن أم عطية رضي الله عنها قالت: ( كنا نؤمر أن نَخرُج يوم العيد حتى تخرج البكر من خدرها، حتى نُخُرج الحّيض، فيكبرن بتكبيرهم، ويدعون بدعائهم، يرجون بركة ذلك اليوم وطهرته ) وفي رواية، قالت: ( أمرنا رسول الله أن نخرجهن في الفطر والأضحى: العواتق، والحيض، وذوات الخدور، فأما الحيض فيعتزلن الصلاة، ويشهدن الخير ودعوة المسلمين، قلت: يا رسول الله، إحدانا لا يكون لها جلباب؟ ) قال: { لتلبسها أختها من جلبابها } [رواه البخاري].

مخالفة الطريق: روى البخاري عن النبي ( كان إذا خرج إلى العيد خالف الطريق ). ورواه الترمذي وغيره بلفظ: ( إذا خرج من طريق رجع في غيره )، ورواه مسلم من حديث أبي هريرة.

ولعل الحكمة في ذلك - والله أعلم - شهادة الطريق، أو سرورها بمروره أو نيل بركته، أو ليظهر شعائر الإسلام في سائر الفجاج والطرق أو ليغيض المنافقين برؤيتهم عزة الإسلام وأهله وقيام شعائره، أو للتفاؤل بتغيير الحال إلى المغفرة والرضا ونحو ذلك، أو للصدقة على فقرائها. قال ابن القيم رحمه الله: ( والصحيح أنه لذلك كله، ولغيره من الحكم التي لا يخلو فعله منها... ).

لا صلاة قبل العيد: عن ثعلبة بن زهدم، أن علياً استخلف أبا مسعود الأنصاري على الناس، فخرج يوم عيد فقال: ( يأيها الناس، إنه ليس من السنة أن يصلى قبل أن يصلي الإمام ) [رواه النسائي بسند صحيح].


الوقفة الرابعة: صيام ست أيام من شوال

روى مسلم من حديث أبي أيوب الأنصاري عن النبي قال: { من صام رمضان ثم أتبعه ستاً من شوال فكأنما صام الدهر }.


ما حكمة الصيام في هذا الشهر

1 - صيام الست كالنافلة مع الفريضة: تجبر ما ثلم، وتكمل ما نقص.

2 - هو دليل على عدم السآمة من رمضان، والاستعداد لمواصلة الطاعة.

3 - مواصلة الطاعة علامة على قبول ما قبلها؛ حيث الحسنة تقول: أختي، أختي، والسيئة مثل ذلك.

4 - صيام رمضان سبب للمغفرة بإذن الله وصيام ست من شوال شكر على هذه النعمة.

س: لماذا تعدل صيام الدهر؟

روى سعيد عن ثوبان مرفوعاً: ( من صام رمضان، شهر بعشرة، وصام ستة أيام بعد الفطر، وذلك سنة )؛ يعني أن الحسنة بعشر أمثالها، كما جاء مفسراً في رواية سندها حسن ( صيام رمضان بعشرة أشهر، وصيام ستة أيام من شوال بشهرين، فذلك صيام السنة ) أي: مثل صيامها، والمراد التشبيه في حصول العبادة به على وجه لا مشقة فيه.

س:هل يلزم التتابع في صيام هذه الأيام الست؟

استحبه الشافعي وغيره، وهو ظاهر كلام الخرقي وغيره من الحنابلة، ولكن هذا التتابع غير لازم، بل يحصل فضلها متتابعة ومفرقة، وهو ظاهر كلام الإمام أحمد، وقال: في أول الشهر وآخره؛ لظاهر الخبر.

Ten years and counting

9/26/2008 09:00:00 PM
The Google doodle tradition started a long time ago (in summer 1999, in fact) when Larry and Sergey put a stick figure on the homepage to signify that they were out of the office at Burning Man. Nothing against stick figures, but our logo designs have become rather more varied since then. Today you'll see a special design that commemorates our 10th birthday. We've incorporated a little bit of history by using the original Google logo from 1998. And since everyone keeps asking what we'd like for our birthday (besides cake and party hats) -- the first thing we thought of was a nice new server rack.

Posted by Marissa Mayer, VP Search Products & User Experience, and Dennis Hwang, Webmaster

وداعا ياحبيبي

وداعا شهر الصيام وداعا.
وداعا فقد كنت نعم الرفيق والصاحب على مدار ثلاثين يوما مرت كطيف أضاء رحاب الفضا.
وداعا بلياليك المزهرة المضيئة بقراءة القرآن وبعذب القيام والدعاء.
وداعا بنهارك المشرق بنور الصوم وصون الجوارح وذكر الله.
وداعا بنسمات المغرب العليلة والأيدى مرفوعة صوب السماء تلهج إلى الله بالدعاء وبالثناء. وتنتظر لحظات يطلق بعدها مدفع الافطار إيذانا بانتهاء الصيام.
وداعا وقد جمعت العائلات على موائد افطارك، أزلت بينهم السواتر وألفت القلوب وجمعت الأحباب، ووصلت الأقرباء.
وداعا شهر تشمير السواعد ونصب الأرجل، وشحذ الأنفس، وميدان المنافسة للخير والطاعات، والمسارعة لنيل الثواب والحسنات. وقد كانت فيك الهمم تجاوز السحاب وتناطح الثريا، علوا ورفعة.
وداعا يا شهرا حوى ليلة سبقت ألف شهر، سلام من مغربها حتى فجرها، تنزل الملائكة والروح فيها باذن ربها.
وداعا وقد لمست شغاف قلوب ظمئى فرويتها، وأرواح قلقة فسكنتها، ونفوسا حيارى فطمأنتها.
وداعا وقد كنا نعد أيامك ولياليك، ونحسب العمر فيك لا بالأيام والساعات بل بالثوانى واللحظات.
وداعا مصحوبا بآهات ودمعات، وتبتلات ودعوات.

وداعا وقد تركت قلوبا نازفة وأعينا دامعة تبكى وتتساءل أما كنت لتترفق وتنتظر معنا قليلا يا شهر الصيام.
وداعا شهر رمضان، منذ أيام استقبلناك بالفرح والسرور والبشر والحبور، وها نحن الآن نقف فى نوافذ المنازل وعلى أبواب الدور، نودعك ونستودعك الله الذى لا تضيع ودائعه.
وداعا ... وداعا .... وداعا
ولولا أن من الله علينا بعدك بعيد لنسعد فيه ونهنأ، لا ندرى كيف كنا لنتحمل هذا الفراق، وقد ارتبطت بك القلوب، واعتادت على رؤيتك العيون، وتنسمت نسيم بهجاتك الخواطر والأرواح.
ولكن لعل عزاءنا أن فراقنا لك سيعقبه لقاء بك، إن كان قد قدر الله طول عمر وحياة، فلنا بك لقاء بعد عام، نكون قد أعددنا قبلها العدة للقاءك من جديد وجهزنا أنفسنا لاستقبال أعز ضيف وحبيب.
وان كان قدر الله قد قُدر، وحان قبل ذلك الأجل الذى لا يقدم ولا يؤخر. فلنا لقاء بك على الصراط، وأنت تقول رب شفعنى فيه، لقد حرمته الطعام فى نهارى فصام، وحرمته النوم فى ليلى فقام، هذا ظننا بك فى ذلك المقام.

اللهم نسألك أن تكون قد ختمت لنا شهر رمضان برضوانك والعتق من نيرانك، وأن تكون قد كتبتنا فيه من عتقائك من النيران ومن المقبولين، وأن تجبر كسرنا على فراق شهرنا. وىخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين. شهر الصيام لقد كرمت نزيلا ............. و شفيت من كل القلوب عليلا
شهر الصيام لقد كرمت نزيلا............ ونويت من بعد المقام رحيلاً
شهر الصيام لقد سموت مكرما .........وغدوت من بين الشهور معظما
يارفاقي ودعوا شهر الصيام ........... بدموع فائضات كالغمام
واسالوا الله قبولا في الختام..............ونوال الخير مع نيل المرام
وداعا إلى لقاء

Thursday, July 31, 2008

صَـبْـرُ ساعَة – قصة قصيرة

1
مِن بينِ خَمائِلِ الوَردِ لَوَّحَ لَها ، فانتَفَضَ فؤادها وهَبَّ مِن سُباتِه ...!
اقتَربَ قَليلا ، فازدادَ اضطرابها ، وسَرَت في الجَسدِ رَعشَة لَم تتبيّن كُنهَها !
أَهوَ الخَوف ؟ أم الحبّ !
قَطَفَ وَردَةً واقتربَ ، فَفَزعَ قَلبُها وأَوْجَسَ حيرَة :
أَيبتسِمُ الحَظّ بَعدَ طولِ عُبوس ؟
أَتَصفو الأيَّام بَعدَ كُلِّ ذلِكَ الكَدَر ؟
أَتُطوَى لَيالي الوِحدة الكَئيبة ويُلقى بها في غَياهِبِ الزَّمن ؟!
وَلِمَ لا ..؟!
فالله رزَّاقٌ كَريم ، رَحمَنٌ رَحِيم ..!

لَم يَكن ذَلكَ الرَّجل الوَسيم يَشكو وِحدَة ، فَهو زَوجٌ وأبٌ لثلاثةِ أبناء ، إلاَّ أنَّه مُهمَل !
اقتَربَ أكثَرَ وأكثرَ ، وعِندَ نقطَةِ الالتِقاءِ ، مَدَّ يَدَهُ فَارِغَة إلاَّ مِن وَرْدَة ، فلم تُطاوِعها يَدها ، واستَحلفَتْه ـ بِحَياءٍ ـ ألاَّ يَفَضَّ الخَاتِمَ إلاَّ بِحقِّهِ ..!
قَبَضَ يَدَه واسْتدَارَ ، فَانقَبَضَ فُؤادُها وشُعاعٌ مِن أَمَل كَادَ أن يُنيرَ دَربَ أمَانِيها .
مَرَّت الأيَّام عاديَّة لا جديد فيها ، إلى أن عَادَ ثَانيَة وَبِيَدِهِ وَرَقة و قَلمٌ ..!
لَم يَطلُبْ الكَثير ، كَانَ مُجرَّدِ تَوقيع ، لكنَّها خَافَت فامتَنَعَت ، فضَجَّت الأصْواتُ مِن حَولِها ، كانت الأصْواتُ مَألوفَة ، فذاكَ صَوت صَديقتها ، وهذا صوت قريبتها ، وذاكَ الذي يَأتي مِن بَعيد صوت جارَتها :
- مَاذا تنتظرين ... ؟!
- رَحَلَ الوالِدَيْن وتَزَوَّجَ الإخوَة ، فعَلى مَن تُعوِّلين ؟
- إنَّه زواج شرعي وإن كانَ مُسمَّاه زَواجا عُرفيًّا ..
- الفُرصَة لا تَأتي إلاَّ مَرَّة واحِدَة ، وصدق الشَّاعرُ حين قال : إذا هَبَّت رِياحُكَ فَاغتنِمْها !
طَأطأت رَأسَها باسْتِسلام ، وَمَشَت نَحوَه بِانكِسَار ، مَدَّت يَدَها فَاحتَضَنَتها يَده ، وَغرِقا في بَحرٍ مِن أوهَام .

2

أوراقُ التَّقويمِ تتسَاقط بِبطءٍ وَثِقل ، لَم يَكن قَد سَقَطَ مِنها سِوَى خَمسة عَشَرَ وَرَقَةٍ عِندَما تَلقَّت مُكالمَة دوليََّة مِن قَريبتِها وَصَديقَتِها العَزيزة ( بُشرى ) ...
- كَم أنَا سَعيدة ـ يا صديقتي ـ !
- خيرًا إن شَاءَ الله ؟
- أخي ( عَبد الوهَّاب ) قرََّرَ ـ أخيرًا ـ أن يُكمِل نِصفَ دِينِه ويتزوَّج .
- مَا شاءَ الله .. أدامَ الله سَعادتك ، ورَزَقهُ الزَّوجَة الصَّالِحَة .
- اللهم آمين .. دُونَ مُقدِّمَات ـ يا غالية ـ أرجو مِنَ الله أن يَجمَع بَينَكِ وبَينَ أخي في خَير ، فَنِعمَ المَرأةِ أنتِ .. فَمَا قولكِ ؟!
- -------------

خَبَا صَوتُ اللِّسَانِ ، وعَلا نَحيبُ القلبِ !